وإنما قال ذلك لأن لهم حمية، فإذا كان لهم جار صالح وأوذي كفوه مؤنة الانتقام والانتصار، فعزَّ جارهم بذلك، وكذلك إذا أطاعوا فعلوا ما أمروا به من غير روية ولا نظر في العواقب، فيصل بهم المطاع إلى غرَضه.
وحاصله أنَّ نفعهم لغيرهم، ووبالهم على أنفسهم.
نعم، في طاعتهم للكبير ما قد يوجب عليه رعايتهم والإغضاء عن قبائحهم، فربما استنصر بهم من هذا الوجه، ومن ثم لم يرضَ ذلك الحكيم بثنائهم عليه، وأطلق كثير من الحكماء ذمهم.
وروى الخطابي في "العزلة" عن عطاء: أنه كان يستخف بالغوغاء، ويبلي الناس بهم (١).
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن ابن شوذب رحمه الله تعالى قال: كان الحسن - يعني: البصري رحمه الله تعالى - إذا نظر إلى أهل السوق قال: هؤلاء قتلة الأنبياء (٢).
وقال بعض الحكماء: العامة إذا اجتمعوا ضروا، وإذا تفرقوا نفعوا.
قال الخطابي: يريد: إذا تفرقوا رجع كل واحد منهم إلى صناعته، فيخرز الإسكاف، ويخصف الحذاء، وينسج الحائك،
(١) رواه الخطابي في "العزلة" (ص: ٧٩). (٢) ورواه ابن أبي الدنيا في "الإشراف بمنازل الأشراف" (ص: ٣٢٤).