وقول أم سليم:" إن الله لا يستحى من الحق ": أى لا يأمر بالحياء فيه ولا يبيحُه ولا يَمتنع من ذكره فيُقتدى به، وأصل الحياء: الامتناع، وقد تقدَّم أول الكتاب معناه فى حق المخلوق والخالق تعالى، وإنما قالت هذا بين يدى سُؤالها لتعتذر به عما دعاها الحقّ والضرورةُ لذكره مما يَسْتحى النساء منه. وقيل: معناه أن سنةَ الله وشرعه (١) إِلا يستحيا من الحق.
وقول عائشة لأم سُليم:" فضحتِ النساء ": أى كشفت من أسرارِهن وما يكتمن من الحاجة إلى الرجال ورؤية الاحتلام، إذ هو فيهن قليل، ولذلك قالت:" أو تجد ذلك المرأة " لا سيما عائشة لصغر سنها وكونها مع بعلها، وقد يكون ذلك لما صَرَّحت به من ذلك ولم تستح فى الحق فيه.
وقولها لها:" تَرِبَتْ يمينك، فقال لعائشة: "بل أنت تربَت يمينُك " وقوله فى الحديث الآخر لأم سلمة: " تربت يداك "، قال الإمام (٢): تأوله مالك على أنه دعا لهما بالاستغناء لما بَعُدَ فى نفسه أن يدعُوا عليهما بالفقر، وكدلك قال عيسى بن دينار: إن قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تربت " بمعنى استغنتْ، قال الهروى فى تفسير قول الله سبحانه:{أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ}(٣): أى لصق بالتراب من فقرِهِ، يقال: تَرِب الرجُلُ إذا افتقر، وأترب إذا استغنى، قال: وفى الحديث: " عليك بذاتِ الدين تربت يداك " (٤)، قال ابن عرفة: أراد تربت يداك إن لم تفْعَل ما أمرتُك، قال ابن الأنبارى: معناه: لله درُّك
(١) فى ت: من شرعه. (٢) فى ت: القاضى. (٣) البلد: ١٦. (٤) سيرد إن شاء الله فى ك الرضاع، ب استحباب نكاح ذات الدين.