وقوله:" من قتل نفسه بحديدة، فحديدته فى يده يتوجَّأ بها (١) فى نار جهنم خالدًا مخلدًا ... " الحديث، وذكر فيه من شرب سُمًّا وتردى (٢) من جبل، ومن ذبح نفسه. معنى " يتوجَّأ " أى يطعن (٣)، وهو مهموز ويُسهلُ أيضًا. وقوله فيه:" خالدًا مُخلَّدًا " لمن فعَلَ ذلك مستحلاً، أو خلود طول إقامة لا خلود دوامٍ وتأبيد (٤). ويدخل فيها من التأويلات ما يدخل آية قاتِل النفس. وقد يقال في أدعية الملوك: خلَّد الله ملكك، وأبَّد أيامك أى أطالها. وشرح هذه الألفاظ ما وقع مجملاً فى الحديث الآخر:" من قتل نفسه بشىء عُذِّب به يوم القيامة ".
وفيه دليلٌ لمالك - رحمه الله - ومن قال بقوله، على أن القصاص من القاتل بما قتل به محدَّدًا كان أو غيْرَ مُحدَّد، خلافًا لأبى حنيفة - رحمه الله - (٥)، اقتداءً بعقاب الله لقاتل
(١) زيد بعدها فى ق: فى بطنه. (٢) قبلها فى ق: ومن، وفى ت: أو تردى. (٣) زيد بعدها فى ق: ويذبح. (٤) وبهذا يكون كناية عن كون عقوبته أشد من عقوبة قتله أجنبيًا؛ لأنه واقع الذنب مع وجود الصارف كزنا الشيخ وكذب الملك، والصارف حب الإنسان نفسه بالجبلة. كما ذكره الأبى ١/ ٢١٨، قال: " ثم ينبغى تخصيصه بمن قتل نفسه لظنه أن العدو يقتله ". (٥) وذلك لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما أخرجه ابن ماجه والدارقطنى والبيهقى: " لا قوَدَ إلا بالسيف " ابن ماجه ك الديات، ب لا قود إلا بالسيف ٢/ ٨٨٩، سنن الدارقطنى ٣/ ٨٧، ٨٨، ١٠٦، البيهقى فى ك الجنايات، ب ما روى لا قود إلا بحديدة ٨/ ٦٢. راجع فى ذلك: المغنى ١١/ ٤٤٦، إعلاء السنن ١٨/ ٩١. حيث رد الاحتجاج به إلى أن معناه: أن القصاص لا يثبتُ إلا إذا قتله بالسيف ونحوه، وليس معناه: أنه لا يقتص من القاتل إلا بالسيف.