قال: فجئتُ بها مَسْرُورًا، فأدْخَلَها إلى أَمِير المُؤْمنِيْن، فتقَدَّم الرَّشِيْد إلى إبْراهيم المَوْصِلِيّ فغنَّى بها، ودَعَا بهِ، فقال: أنْشدني (١): [من الكامل]
يا عُتْبَ سيِّدَتِي أمَا لك دِيْنُ؟
فأنْشَدَهُ إيَّاها، فوعَدَهُ أَنْ يُزوِّجَهُ بها، فلمَّا خَرَج قال له النِّسَاءُ: إنَّهُ شبَّبَ بها وشهَرها في النَّاسِ، وإنْ زَوَّجْتَهُ إيَّاها حقَّقْتَ عليها ما قال (a) فيها، فأمَر له عِوَضًا من ذلك بخَمسِين (b) ألفِ دِرْهَم.
وقال المَرزُبانيّ: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بن إبْراهيم، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بنُ أبي خَيْثَمَة، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن أبي العَتَاهِيَة، قال: غُنِّي الرَّشِيْدُ يَوْمًا في شِعْر أبي وهو في الحَبْس (٢): [من الطويل]
خَلِيلَيَّ ما لي لا تَزَالُ مَضَرَّتي … تكونُ على الأقْدَارِ حَتْمًا منَ الحَتْمِ
كفَاكَ بحقِّ اللهِ ما قد ظَلَمْتَني … فهذا مقَامُ المُسْتجيرِ من الظُّلْمِ
ألَا في سَبِيْلِ اللهِ جِسْمي وقُوَّتي … أما (c) مُسْعِدٌ حتَّى أنُوح على جِسْمي
فأمر الرَّشِيْدُ بإحْضَاره فقال له: أيَجُوز لكَ هذا؟ بالأمْسِ يَنْهاكَ أَمِير المُؤْمنِيْن المَهْدِيُّ عن القَوْل في عُتْبَة فتأبَى إلَّا لَجَاجًا ومحْكًا، واليوم آمرُكَ بالقَوْل فيها فتَأْبى ذلك؟! قال: يا أَمِير المُؤْمنِيْن، {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}(٣)، كُنْتُ أقُول في الغَزَل وَلي شَبَابٌ وحِدَّةٌ، وبي حَرَاكٌ وقُوَّة، واليَوْم فأنا شَيْخ ضَعِيْفٌ لا يَحْسُنُ بمثلي لَهْوٌ ولا تَصَابٍ، فقال: والله لا رَضِيْتُ منكَ إلَّا بالّذي كُنت عليهِ. ثمّ قال له: أنْشدني بعضَ ما قُلتَ فيها، فسَكَت، فقال: واللهِ لتُنْشدَني شَيئًا