وجَلَسَ سُليْمان بن عَبْد المَلِكِ للنَّاسِ، وأذِنَ لأبي وقُدّم على الشُّعَراء، فابْتَدَأ في قَصِيْدَتي يُنْشدُها سُليْمان، وأردتُ أنْ أقُوْمَ فأقُول: الشِّعْرُ لي، فكَرِهْتُ أنْ أفْضَحَ أبي على رُؤوسِ النَّاسِ، فلمَّا فَرَغَ وأخَذَ الجَاِئزَة وخَرَجْنا قلتُ: يا أبَة، المُقَاسَمَة، قال: لا والله ولا فَلْس، أي بنيّ، أنْتَ أشْعَر النَّاسِ اذْهَب فاطلُب لنفسكَ، وأَخْرَجَني من عِيَالهِ.
قال: وحدَّثَنَا أبو عَبْدِ الله إبْراهيم بن مُحَمَّد النَّحْوِيّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الله بن مُحَمَّد، عن المَدَائِنِيّ، قال: قال رُؤْبَة بن العَجَّاج: اشْتَركتُ أنا وأبي في أُرْجُوزَة (١): [من الرجز]
إلى ابن مَرْوَان قَرِيع الإنْسِ
بين أبي العَاصِي وآل عَبْسِ
فأنْشَدْتُها رَجُلًا حتَّى انْتَهَيتُ إلى الكَلَام الآخر، قال: ليسَ هذا من الكَلَام الأوَّل، وجَعَل يُمَيِّز كَلامي وكَلَام أبي.
قال المَرْزُبانيُّ: وحُكِي أنَّ رُؤْبَة أنْشَدَ سُليْمان بن عَبْد المَلِك هذه الأُرْجُوزَة وعُمَر بن عَبْد العَزِيْز حَاضِرٌ حتَّى بَلَغَ إلى قَوْله (٢): [من الرجز]
خَرَجْتَ من بين قَمَرٍ وشَمْسِ
من بين مَرْوَان وبين عَبْسِ
يا خَيْر نَفْسٍ خرَجت من نَفْسِ
فقال عُمَر: كَذَبْتَ، ذلك رسُول الله صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فسَكَت سُليْمان فلم يَرُدَّ عليه شيئًا.
(١) ديوان العجاج ٢: ٢٠٨، وشعر العجاج ضمن مجموع أشعار العرب ٣: ٧٩، باختلاف في بعض الألفاظ، تقدمت الإشارة لها في الرواية السابقة. (٢) بيت الرجز الأول في ديوان العجاج ٢: ٢٠٨.