للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فلمَّا كان من الغَدِ أَصْبَحْنا وقد عَلَتِ العَوْسَجَة حتَّى صَارَت كأعْظَم دَوْحَة عَادِية قَامَتُها، وخَضَد اللهُ شَوْكَها، وسَاخَتْ عُرُوقها، وكَثُرت أفْنَانُها، واخْضَرَّ سَاقُها ووَرَقُها، وأثْمَرت بعد ذلك وأيْنَعَت بثَمرٍ كأعْظَم ما يكون من الكَمْأةِ في لَوْن الوَرْس المَسْحُوق، ورَائحة العَنْبَر، وطَعْم الشَّهْد، واللهِ ما أكل منهُ -يعني جائع- إلَّا شَبِعَ، ولا ظمآن إلَّا رَوي، ولا سَقِيم إلَّا بَرئَ، ولا ذو حَاجةٍ وفَاقةٍ إلَّا اسْتَغْنَى، ولا أكَل من ورَقها ناقةٌ ولا شَاةٌ إلا دَرَّ لبنُها.

ورَأينا النَّماءَ والبَرَكَة في أمْوَالنا منذ يَوْم نَزَل بنا، وأخْصَبَت بلادُنا وأمْرَعَت، فكُنَّا نُسَمِّي تلك الشَّجَرة: المُبارَكة، وكان يَنْتابُنا مَنْ حَوْلَنا من أهْلِ البَوَادِي يَسْتَشْفُونَ بها، ويتزوَّدُونَ في الأَسْفَارِ، ويَحْملون معهم في الأرْضين القفَار، فتقُوم لهم مَقَام الطَّعَام والشَّرَاب، فلم تَزَل كذلك على ذلك حتَّى أَصْبَحْنا ذات يَوْم وقد تَسَاقَط واصْفَرَّ وَرَقها، فأحْزَننا ذلك وفَزعنا له، فما كان إلَّا قليل حتَّى جاء نَعِيُّ رسُول الله صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فإذا هو قد قُبِضَ في ذلك اليوم.

وكانت بعد ذلك تُثْمِر ثَمَرًا دون ذلك العِظَم والطَّعْم والرَّائِحَة، وأقامت على ذلك ثلاثين، فلمَّا كان ذات يَوْم أَصْبَحْنا فإذا هي قد أشْوَكَتْ من أوَّلها إلى آخرها، وذَهَبَتْ غَضَارة عِيْدَانها وتَسَاقط جميع ثَمَرها، فما كان إلَّا يَسِيْرًا حتَّى بلَغَنا مَقْتَل أَمِير المُؤْمنِيْن عليّ بن أبي طَالِب فما أثْمَرت بعد ذلك قَليلًا ولا كَثِيْرًا فانْقَطَع ثَمَرُها.

فلمَّا نَزَل ومَنْ حَوْلنا نأخُذ من وَرَقها ونُدَاوي به مُرْضانا، ونَسْتَشْفِي بهِ من أسْقَامِنا، فأقامتْ على ذلك مُدَّةً وبُرْهَةً طَوِيلَةً، ثمّ أَصْبَحْنا يَوْمًا وإذا بها قد أنْبَعَتْ من سَاقِها دَمًا عَبِيْطًا جَارِيًا، ووَرَقها ذَابِل يَقْطر ماءً كما اللَّحَم، فعَلِمْنا أنْ قد حَدَثَ حدَثٌ عظيمٌ، فبِتْنا ليْلَتنا فَزِعين مَهْمُومين نتوقَّع الدَّاهِيَة، فلمَّا أظْلَم اللَّيْل علينا سَمِعْنا نداءً وعَوِيْلًا من تحتها وجَلَبةً شَدِيدةً وضَجَّةً، وسَمِعنا صَوْت باكيةٍ تقُول:

يا ابنَ الوَصِيّ ويا ابنَ البَتُول … ويا بَقِيَّة السَّادَةِ الأكْرَمِيْنا

<<  <  ج: ص:  >  >>