لَوَذَان الحَمَام من الصُّقُور، فما كان إلَّا مِقْدَار جَزْر جَزُور، أو نَوْم قَائِلِ حتَّى أتينا على آخرهم، فهاتيك أجْسَادهُم مُجَرَّدة، وثِيَابهم مُرَمَّلة، وخُدُودهم مُعَفَرَّة، تَسْفِي عليهم الرِّيَاح، زُوَّارُهُم العِقْبان، ووفُودهم الرَّخَمُ.
فلمَّا سَمِعَ ذلك يَزِيدُ دَمعَتْ عَيْنُه، وقال: وَيْحَكُم، قد كُنْتُ أرْضَى من طَاعَتكم بدُون قَتْلِ الحُسَين، لَعَنَ اللهُ ابن مَرْجَانَة (a)، أمَا والله لو كُنْت صَاحِبَهُ لعَفَوت عنه، رَحِمَ اللهُ أبا عَبْد الله، ثمّ تَمَثَّلَ (١): [من الطويل]
نَفِلق هَامًا من رجَالٍ أَعِزَّةٍ … علينا، وهم كانُوا أعَقَّ وأظْلَمَا
وكان يَزِيد إذا حَضَر غَدَاؤه دعا عليّ بن الحُسَين وأخَاهُ عُمَر فيَأكُلان معه.
قال: ثمّ أمَرَ بتَجْهيزهم بأحْسَن جهَازٍ، وقال لعليّ بن الحُسَين: انْطَلِق مع نسَائك حتَّى تُبْلغهنَّ وَطَنهُنَّ، ووجَّه معه رَجُلًا في ثلاثين فَارِسًا يَسِيْر أمامهُم، ويَنْزل حُجْزَةً (b) عنهم، حتَّى انْتَهَى بهم إلى المَدِينَة (٢).
أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الله مُحَمَّد بنُ خَلَف بن رَاجِح المَقْدِسِيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين عَبْدُ الحَقّ بن عَبْد الخَالِق بن يُوسُف، قال: أخْبَرَنا أبو غَالِب مُحَمَّد بن الحَسَن بن أحْمَد البَاقِلَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَن بن أحْمَد بن شَاذَان، قال: أخْبَرَنا أبو سَهْل أحْمَد بن مُحَمَّد بن زِيَادٍ القَطَّان، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الكَريم بن الهَيْثم، قال: حَدَّثنا سُليْمانُ بن حَرْب، قال: حَدَّثنا حَمَّادُ بن يَزِيد، عن هِشَام، عن مُحَمَّد،
(a) الدينوري: مرجان، وفي فتوح ابن أعثم ٥: ٢٣٨: قبح الله ابن مرجانة، وفي العبر لابن خلدون ٥: ٦٧: ابن سمية. (b) الدينوري: حَجْرَةً.