بقوله - تعالى -: ﴿ولا تقبلوا لهم شهدة أبدا﴾ [النور: ٤]، أي ما داموا مصرين على القذف والرمي، ومعنى الإصرار على القذف: ترك التوبة وإكذاب النفس، فإنه باق حكما وتقديرا إلى أن يتوب، فإذا تاب زالت أحكام القذف، فقد زال القذف، وارتفع من كل وجه، وهذا كقوله - تعالى -: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا﴾ [التوبة: ٨٤]، أي مات مصرا على ضلاله وكفره، وعليه حمل أبو حنيفة ﵀ قوله ﵇:«لا يجتمع المتلاعنان أبدا»(١)، قال: معناه: ما داما متلاعنين، فإذا أكذب نفسه خرجا أن يكونا متلاعنين، وزالت أحكام اللعان.
الثاني: أن الله - تعالى - استثنى التائبين من القاذفين، فقال: ﴿إلا الذين تابوا﴾ [النور: ٥]، والاستثناء إذا تعقب جملا عاد إلى جميعها؛ لوجوه بيناها في كتاب تخريج الفروع على الأصول (٢)، والذي يكتفى به هاهنا مسألة قطعية، وهي أن الإجماع ينعقد على أن الإنسان إذا قال: لفلان علي خمسة وخمسة إلا سبعة أنه يكون مقرا بثلاثة (٣)، ولو كان الاستثناء يختص بالجملة الأخيرة لكان مقرا بعشرة؛ لأن الاستثناء حينئذ يختص بالخمسة الثانية، ويكون استثناء مستغرقا، بل زائدا عليه، والاستثناء المستغرق باطل قطعا، وحيث اتفقنا على أنه يكون إقرارا بثلاثة، دل العطف على جميع الجمل.
(١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، كتاب الطلاق، باب لا يجتمع المتلاعنان أبدا، برقم: (١٢٤٣٤)، وفيه قيس بن الربيع وهو صدوق يهم، ضعفه الذهبي وابن حجر. سير أعلام النبلاء (٨/٤١)، تقريب التهذيب (٣/ ٣٥٠). (٢) كتابه التخريج، ص: (٣٢٥ - ٣٣٠). (٣) قال ابن هبيرة واتفقوا على أنه إذا أقر بشيء، واستثنى الأقل منه، صح استثناؤه. ينظر: اختلاف الأئمة العلماء (٤٦٠).