لئن قالوا: الحرم إنما يعصم من جعله معقلا وموئلا، ولجأ إليه، على مثال الالتجاء إلى أبواب الملوك، أما من جني بين يدي الملك أو حضرته، كان جديرا بأن يغلظ عليه.
قلنا: هذا باطل على أصلكم، بأن اجتاز بالحرم في جنح الليل وهو لا يشعر، بأن كان نائما أو غافلا، فإنه يعصمه مع انتفاء الالتجاء، وكذا لو دخل مكرها مقهورا، ويبطل - أيضا بمن يدخل ولا قصد له، ولا أراد الدخول، فإن الحرم يعصمه.
وأما المعنى [فهو](١) أن (٢) عصمة النفوس حق العبد، فإنه شرع لمنفعته ومصلحته، وحرمة البقعة حق الله - تعالى -، والله - تعالى - مستغن عن الحقوق، وحق العبد مبني على الشح والمضايقة، وحق الله - تعالى - على اليسر والمساهلة، فقدم حق العبد لحاجته لا لشرفه، ودليل اعتبار هذا الرجحان: أن من اجتمع عليه [حقان](٣): قصاص وحد؛ قدم حق القصاص إجماعا (٤).
وأما الآية، فقد ذكر علماء التفسير أنها وردت إخبارا عما كان في قديم الدهر، وسالف الزمن، وذلك أن القرى حول مكة كانت محط الغارات، ومهبط المحق والآفات، ومكة محروسة مصونة، لا تنالها الأيدي، ولا
(١) في الأصل: هو، والصواب ما أثبته. (٢) في الأصل كلمة: الضابط، مضروب فوقها وكأنها محذوفة. (٣) في الأصل: رجحان، والصواب ما أثبته. (٤) قال ابن حزم: «أجمعوا أن من اجتمع عليه حد الزنا والخمر والقذف والقتل، أن القتل عليه واجب» ا. (٥). ينظر: مراتب الإجماع (١٢٩).