المذهب الثاني - وهو الصحيح -: قولهم: إن القصاص غير واجب على الأب، غير أن فعله موجب لا خلل فيه باعتبار كونه عمدا محضا، إلا أن الوجوب اندفع عنه، لا لخلل في الفعل، بل لمعنى يخصه ويمسه، ولا يتعداه إلى من عداه، فإن صفة الأبوة لازمة له، وهي الشبهة [المسقطة](١) لا [لحق](٢) جنايته، بل لأن الأبوة أوجبت ألا يقتل بسببه.
فلئن قالوا: كيف يعقل موجب لا يوجب؟.
قلنا: كما يعقل فيما إذا رميا معا، ثم مات أحدهما قبل إصابة السهم، فإن الحي يستوفى منه القصاص.
ثم التحقيق فيه: أن الدافع إذا قارن الموجب دفع الحكم، وكان في حكم القاطع، لا في حكم مانع أصل السبب، كما في المغرور بحرية جارية إذا حبلها (٣).
واحتجت الحنفية في تقرير مأخذهم بأن قالوا: الأجنبي شارك من لا قود عليه، فلا يجب عليه القود، كشريك الخاطئ، وذاك أن الأبوة كما أنها صفة قائمة به لا يتعدى إلى شريكه، فالخطأ - أيضا - هو الجهل بالحال، وجهله صفة قائمة به لا يتعدى إلى شريكه، ثم يسقط القصاص عن شريك الخاطئ، فكذلك عن شريك الأب لا يفترقان، إلا أن الأبوة صفة ملازمة، والخطأ صفة مزايلة، وهذا فرق لا أثر له في الحكم، والتحقيق فيه هو أن
(١) في الأصل: المقسطة، والصواب ما أثبته. (٢) في الأصل: لحقه، والصواب ما أثبته. (٣) الحاوي الكبير (١٢/ ١٢٩).