ومأخذ النظر فيها: أن الجهل بوصف المبيع عندنا كالجهل بأصله، وأبو حنيفة فرق بينهما.
وسبيل كشف الغطاء عن المأخذين أن نقول: لا خلاف أن الجهالات بأسرها مما لا يحتمل في عقد البيع، حتى لو قال: بعتك شيئا، أو بعتك ثوبا، أو بعتك بزنة هذه الصنجة، أو بما باع به فلان عبده، فإنه لا يصح العقد.
ولا خلاف -أيضا- أن حقيقة العلم بالمبيع والاطلاع على خفاياه وزواياه مما لا يشترط، حتى يصح أن يشتري الجوهرة ممن لا يعلم حقيقتها، والثوب ممن لا يعرفه، فلا بد إذا من ضابط، ولا ضابط إلا الرؤية والعيان؛ لأنه أوفى مدارك العلم والإحاطة، وهو سبب حصول العلم، فاشترط الشافعي وجود سبب العلم لا حقيقة العلم؛ فإن في اشتراط حقيقة العلم مشقة يلزم من مشاقها أن لا يصح شراء الجوهرة إلا من جوهري، وشراء الثوب إلا من بزاز، والعبد إلا [من](١) نخاس، وهلم جرا، وذلك يجر حرجا عظيما تفسد به أبواب المعاملات على الناس، وصار هذا كما قلنا في رخص السفر، فإنها في الأصل شرعت للمشقة، ثم لما كان ذلك يختلف ضبطناه بسببها، وهو السفر، وقلنا: الترخص يتعلق بالسفر وأعرضنا عن عين العلة، ثم الرؤية عند الشافعي ليست شرطا لعينها، بل لأن عدمها يؤدي إلى غرر وجهل بصفات المبيع المقصودة، وإذا ثبت أن الجهالات كلها لا تحتمل في العقد، والعلم حقيقة لا يشترط، حتى يعفى عن بعض الجهالات؛ فلا بد للجهالة من