أن الصوم متصور صحيح في هذه الأيام ما نهي عنه؛ لأن المنهي عنه ينقسم إلى فعل محسوس، فيعود النهي إلى عينه، فيقبح ذاته وأصله، كالنهي عن الزنا والسرقة والكذب، وإلى ما يعود إلى وصف الشيء لا إلى ذاته، فيكون النهي عائدا إلى زائل، وهو الوصف دون الذات، فلا ينهى عن أصله، فيكون مشروعا، وإذا كان مشروعا، فالنهي يدل بكونه شرعا، لا على عدمه؛ إذ لو استحال وجوده شرعا لما نهي عنه.
ونحن نقول: أما دعوى صرف النهي إلى ترك إجابة الداعي فلا يصح كما ذكرناه.
وقولهم: إن الناس أضياف الله - تعالى - في هذا اليوم.
قلنا: هذه ضيافة اسم أوجبتموها، وليس عليها دليل في الشرع؛ فإن العباد كلهم أضياف الله - تعالى - في جميع الأيام، يأكلون رزقهم الذي يطعمهم ويسقيهم بأسباب منحها لهم، وهم في هذه الأيام كذلك من غير مزية، إلا أنهم أمروا فيها بعبادة النحر، كما أمروا في أيام أخر بالزكاة والحج وسائر العبادات، ثم وإن سلمنا أن النهي كان كذلك، لكنه نهي تمكن من عين الصوم؛ إذ لا معنى للآية بالصوم إلا طلب ترك الأكل، فصار كأنه طلب الأكل وتركه في وقت واحد، فيكون كقول القائل: كل لا تأكل، وهو متناقض.
والدليل القاطع على صحة ذلك: صحة الصلاة في الدار المغصوبة عن النذر المطلق إن كان النهي منصرفا إلى غيره، وهذا مما لا جواب عنه.