خفيت عنا، كالتعبدات المحضة، نحو: تقدير نصب الزكوات، وعدد الركعات، ولا نقول في هذا القسم: إنه لو لم يشرع أدى إلى فساد أمور العباد.
وقسم ثالث: فهم منه خيال مصلحة كلية، شرع لإحياء مراسم العبادة، والحث على مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، مع انطوائه على شروط شرعية، وضوابط تعبدية؛ لا بد من مراعاتها، كشرع الغسل والوضوء، فإنه فهم منه فهما كليا قصد الوضاءة والنظافة، مع اقترانه بتعبد الشرع بإمرار ماء طاهر على محل طاهر، فإنه جعل للماء صفة الطهورية تعلق (١)، وجعله رافعا لصفة الحدث، ولا صفة الحدث تعلق، ولا صفة الطهورية تعلق، [فألحق](٢) الشافعي إزالة النجاسة بهذا القبيل، وقال: قد فهمنا على الجملة من الأمر بإزالة الأنجاس رفع القذارة وإزالة الوسخ، لكن لا بد من مراعاة معنى التعبد فيها، كما فهمنا قصد سد الخلات، ودفع الحاجات من باب التعبدات والزكوات، ثم مع هذا راعينا ضابط الشرع، حتى لو ضحى مكان الشاة بخمسين خروفا لا يجزئ، وإن كنا نعلم أنها أكثر من الشاة (٣).
وأبو حنيفة ﵀ جرد النظر إلى المعنى، وادعى أنه بعد استعمال الخل فات الأمر بالطهارة؛ لفوات محله، ضرورة أن الأمر لا بد وأن يتعلق بمأمور، فإذا زال محل الأمر بالخل، لم يبق ما يتناوله الأمر، وصار بمثابة قوله: اغسل يدك، فإنها إذا قطعت أو سقطت زال الأمر بغسلها، كذلك هاهنا، أو تقول: الحكم إذا ثبت لعلة، زال بزوالها.
(١) لعل كلمة: تعلق. زائد هنا. (٢) في الأصل: ملحق. والسياق يقتضي ما أثبته. (٣) البرهان للجويني (٢/ ٧٩، ٨٠).