لو اختلطت أخته بأجنبيات، أو ميتة بمذكاة، والخل مزيل للمجاور كالماء، قالوا: والذي يدل على أن الماء عينه لا يتنجس؛ أنه يعود بالمكاثرة طاهرا، ويزول التعيين عن مبلغ القلتين (١)، ولو تنجس عينه لاستحال عوده طهورا (٢).
واعلم أن بناء الحكم على هذا المأخذ باطل من وجهين:
أحدهما: قوله ﵇: «خلق الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير طعمه أو ريحه»(٣)، فإنه نص صريح في أن ورود النجاسة على الطاهر تنجسه، ودعوى المجاز لا وجه له؛ فإن الكلام لحقيقته إلى أن يقوم دليل المجاز (٤).
الثاني: اتفاقنا على أن الجنب إذا انغمس في ماء قليل فيه نجاسة لا ترتفع جنابته، وقد جرى على بدنه ماء طاهر طهور بزعمكم، فما معنى قولنا: إن الماء النجس لا يرفع الجنابة؛ إذ الماء النجس قط لا يتصور على
(١) مثنى قلة، والقلة: حب عظيم، وهي معروفة بالحجاز والشام، وتأخذ القلة مزادة كبيرة وتملأ الراوية قلتين، وسميت قلالا؛ لأنها تقل أي: ترفع إذا ملئت، وقدر الشافعي القلتين بخمس قرب، وأصحابه بخمسمائة رطل. ينظر: المغرب في ترتيب المعرب (٣٩٣). (٢) بدائع الصنائع (١/ ٧٥، ٧٦). (٣) أخرجه الدارقطني في سننه عن ثوبان ﵁ بلفظ: «الماء طهور؛ إلا ما غلب على ريحه أو على طعمه» كتاب الطهارة، باب الماء المتغير رقم: (٤٥)، قال ابن الجوزي: هذا لا يصح. ينظر: التحقيق في مسائل الخلاف (١/٤٠). وأما صدره فعند الأربعة إلا ابن ماجة، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ بلفظ: «الماء طهور لا ينجسه شيء». فعند أبي داود في كتاب الطهارة، باب ما جاء في بئر بضاعة، برقم: (٦٦)، وعند النسائي في كتاب المياه، باب ذكر بئر بضاعة، برقم: (٣٢٦)، وعند الترمذي في أبواب الطهارة، باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء، برقم: (٦٦)، وحسنه الترمذي. (٤) كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (٢/٤٠).