ومأخذ النظر: أن التسبب عندنا صالح لإيجاب القصاص، كالمباشرة على ما قررناه في المسألة السالفة (٣).
وعندهم التسبب لا يصلح أن يكون موجبا كالمباشرة أصلا، وزعموا أن إيجاب القصاص على المكره إنما كان بطريق كونه مباشرا حكما، على ما سبق، واستدل القاضي أبو زيد على ذلك بأن القصاص جزاء الفعل، وجزاء الفعل مثل الفعل، قال الله - تعالى -: ﴿وجزاؤا سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤]، وليس السبب مثل المباشرة، فكيف يجازي على السببية بمباشرة؟ (٤).
* والجواب:
نقول: قد تعجب الأصوليون من قول الفقهاء: سبب ومباشرة؛ فإن كل ما يعتقده الفقهاء مباشرة هو سبب؛ فإن المباشرة هو ما قام بمحل القدرة، كحركة اليد مثلا، فأما ما جاوز محل القدرة، فكله أسباب، حتى حز الرقبة، وشق البطن؛ وهذا لأن الروح ليست شيئا يمكن اختطافها وانتزاعها من محل، حتى يقال: باشرها، وجنى عليها، ولا تتعلق القدرة البشرية بإزهاقها، إنما
(١) في الأصل: منهما، والصواب ما أثبته. (٢) المبسوط (٢٦/ ١٨١). (٣) الحاوي الكبير (١٧/ ٢٥٧). (٤) المبسوط (٢٦/ ١٨١).