بالحد التكذيب، ودحض الفساد، وإعادة صيانة العرض، فكان الحد متضمنا للمعنيين من حيث الحقيقة.
وأما بيان تغليب حق الآدمي فيه [فهو](١) أن نقول: وقع الاتفاق على أن القصاص فيه الحقان: حق الله، وحق الآدمي، والمعنيان جميعا معتبران مرعيان فيما فيه من معنى الردع والزجر، والمصلحة العامة والمنفعة الكلية صار فيه حق الله - تعالى -؛ إذ المصلحة العامة والمعاني الكلية لا تشرع لأجل الأفراد، ويدل عليه أنا [قتلنا](٢) الجماعة بالواحد؛ تحقيقا لهذا المعنى، ومع هذا فالمغلب في القصاص حق الآدمي، حتى يسقط بإسقاطه، فرأينا أن المعنى الذي أوجب التغليب هناك: أن في استيفاء القصاص يحصل له التشفي ودرك الثأر؛ وذاك أنه إذا قتل القتيل، حصل في قلب وليه وعشيرته من استعار نيران الغضب، وتوقد الغيظ والحنق ما [لا](٣) ينطفئ ناره إلا بقتل قاتله، فكان خصوص هذه المغيظة أشد اقتضاء من الجهة العامة المنسوبة إلى الله - تعالى -، فجعل الشرع له طريقا إلى تشفي غيظه وإطفاء وقدة قلبه، فصار بهذا الطريق حقا له، إن شاء استوفاه، وإن شاء عفا عنه، وهذا المعنى موجود في الحد، فإنه لما قذفه؛ أضرم في قلبه نيران الغضب، وأضر به، وثلم جاهه، ونكس رأسه، فالشرع جعل له طريقا إلى أن يشفي غيظه ويطفئه، كما آلمه، فإن القذف والمعيرة في وخز النفوس ما يزيد على وخز الإبر، وحر السيوف،
قال الشاعر:
(١) في الأصل: هو، والصواب ما أثبته. (٢) في الأصل: قلنا، والصواب ما أثبته. (٣) زيادة يقتضيها السياق.