وقال أبو حنيفة ﵀: إذا تغيرت العين المغصوبة بفعل الغاصب حتى زال اسمها ومعظم منافعها، زال ملك المغصوب منه عنها، وملكها الغاصب وضمنها، ولا يحل له الانتفاع بها حتى يؤدي بدلها، فحينئذ يملك جميع التصرفات ملكا مكروها (١)، وهذا كمن غصب شاة فذبحها وشواها، أو طبخها، أو حنطة فطحنها، أو حديدا فاتخذه سيفا، أو صفرا فعمله آنية، أو ثوبا فخاطه قميصا أو قباء، قالوا: وإذا قطع الثوب بالطول ملكه، وإن قطعه بالعرض لا يملكه، وللمسألة طرفان:
* أحدهما: في الأفعال التي تغير العين، ولا تزيل ماليتها، كالطحن، والشي في الشاة، فمأخذ الشافعي فيه: أن فعل الغاصب لا يصلح لإفادة الملك، فما حصل في ملك الغير من حيث [إن](٢) فعله عدوان محض، والشرع يعتني بإعدامه وتمحيقه؛ فلا يجوز أن يجعله سببا لتحقيق ملك المعتدي؛ فإن ذلك إثبات له، والشرع يقصد إعدامه، وهذا يستمد من أصل كلي في الشرع، وذلك أن الله - تعالى - جعل الأملاك معصومة على المالك، واحترمها، وجعلها معززة مصونة، لا تنال إلا بأسباب وضعها، وطرق مهدها، فمن قال: إن من أخذ ملك غيره قهرا، أو تصرف فيه تصرفا هو مقصود المالك من ملكه، يملكه، فقد أبطل عصمة الأملاك بالكلية، وأزال الاحترام الذي أثبته الشرع بمجرد العدوان، وهذا مخالف لوضع الشرع (٣).
ومأخذ أبي حنيفة في هذا الفصل: أن فعل الغاصب غير صفة العين
(١) المبسوط (١١/ ٨٦، ٨٧)، وبدائع الصنائع (٧/ ١٤٨، ١٤٩). (٢) في الأصل: إنه، والصواب ما أثبته. (٣) الحاوي الكبير (٧/ ١٩١، ١٩٢).