* المأخذ الثاني: زعموا أن هذا الصلح أمكن اعتباره من جانب المدعي معاوضة، ومن جانب المدعى عليه افتداء، وأما اعتباره من جانب المدعي فبأن يملكه في مقابلة إسقاط الملك فيما ادعاه، وفي حق المدعى عليه بطريق الافتداء؛ لدفع الشر عن نفسه؛ لأن المدعي ينازعه، ويرافعه إلى القاضي، ويقطع عليه أشغاله، وذلك إضرار به، ويجوز للإنسان بذل المال لدفع الأذى عن نفسه، ولهذا لو طمع السلطان في مال يتيم؛ جاز للوصي أن يصالح على شطر ماله؛ دفعا للضرر، والتصرف الواحد يجوز أن يكون مشروعا بجهتين مشروعتين، كما لو شهد بحرية عبد ثم اشتراه، فإنه من جانب البائع معاوضة، ومن جانب المشتري افتداء وتخليص له عن قيد الرق (١).
ونحن نقول: هذا باطل؛ فإن الحكم في حق كل واحد من المتعاقدين لا يثبت بما يصدر منه وحده، بل يرتبط أحد الكلامين بالآخر، فيصير كلاما واحدا في اعتبار الحكم في حق السبب الواحد، لا يفيد الحكم إلا من جهة واحدة، فالبيع المنعقد من الإيجاب والقبول سبب يفيد نقل الملك، والنقل قضية واحدة، يسمى زوالا في حق البائع، وحصولا في حق المشتري، كنقل الجوهر من حيز إلى حيز، فإنه زوال عن الحيز المنتقل عنه، حصول في الحيز المنتقل إليه، أما اعتبار حكم الهبة في المبيع أو بالعكس، فذلك غير معقول في نفسه، وأما شراء العبد المشهور بحريته، فنقول: هو بيع من الجانبين؛ فإن المشتري لما قال: اشتريت؛ فقد اعترف بملك البائع فيه، فيصح البيع، بناء على اتفاقهما، غير أنه إذا حصل في يده يؤاخذ بسابق إقراره.