وبنى أبو حنيفة مذهبه على أن الحكم متى ثبت لعلة زال بزوالها، وهذا أصل كلي متفق عليه، فزعم أن الحكم كان ثابتا بالشدة المطربة، والشدة قد زالت (١).
ونحن نسلم لهم أن الحكم متى ثبت لعلة زال بزوالها، وهم يسلمون - أيضا - أن العلة إذا أخلفها علة أخرى اقتضت بقاء الحكم، ونحن نقول هاهنا قد زالت الشدة المطربة، لكن يخلفها نجاسة الملح الواقع في الخل، والحكم المعلق بالشدة قد ارتفع وزال، فإن ذلك الحكم مخالف لهذا، من حيث إن تلك توجب الحد بشربها، ويكفر مستحلها، ويفسق شاربها، وهذه الأحكام قد زالت بأسرها، وإنما أثبتنا أحكام نجاسة الملح، فإن قالوا: إذا زالت جميع الأحكام؛ فينبغي أن تزول النجاسة - أيضا ـ، قلنا: هذا الآن جمع في محل فرق صاحب الشرع، فإنه قال في الدباغ:«هلا أخذوا إهابها، فدبغوه فانتفعوا به؟»(٢)، وفي تخليل الخمر نهى عنه وزجر، وأمر بإراقتها (٣)، فظهر الفرق بينهما (٤).
* * *
(١) المبسوط (٢٣/٢٤). (٢) أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجة في سننه من حديث ابن عباس ﵄ في كتاب اللباس باب لبس جلود الميتة إذا دبغت برقم: (٣٦١٠)، وبنحوه عند مسلم في صحيحه، في كتاب اللباس، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ برقم: (٨٣٥). (٣) يشير المؤلف ﵀ إلى حديث أنس بن مالك ﵁ أن أبا طلحة ﵁ سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا، قال: «أهرقها، قال: أفلا أجعلها خلا؟ قال: لا»، أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأشربة، باب ما جاء في الخمر تخلل، برقم: (٣٦٧٥)، وأصله عند مسلم في صحيحه مختصرا، كتاب الأشربة، باب تحريم تخليل الخمر، رقم: (١٩٨٣). (٤) الحاوي الكبير (٦/ ١١٤، ١١٥).