أكرمَها، وتُذلُّ مَنْ أعزَّها، وتصرعُ مَنْ آثرَها، ولها في كل وقت قتلى، فهي كالسُّمِّ؛ يأكلُه من لا يعرفُه وفيه حتفُه، فالغِنَى فيها فقرُها، والزادُ منها تركُها، فكن فيها كالمُداوي جُرحَه، يصبرُ على مرِّ الدواء مخافةَ طولِ البلاء، يحتمي قليلًا مخافةَ ما يكرهُ طويلًا، فأهلُ الفضل منطقُهم فيها بالصواب، ومشيُهم بالتواضع، ومَطْعَمُهم الطَّيِّبُ من الرزق، مغمضي أبصارهم عن المحارم، فلولا الآجال التي كُتبت لهم ما تقارَّت أرواحُهم في أجسادهم خوفًا من العقاب، وشوقًا إلى الثواب، عَظمَ الخالقُ في نفوسهم، فصَغُرَ المخلوقُ في عيونهم، فإيَّاك وهذه الخادعةَ القاتلةَ التي قد تزيَّنتْ بخَدْعِها، وقتلتْ بغرورها، وخَدَعت بآمالها، فأصبحت كالعروس المجلوَّة، فالعيونُ إليها ناظرة، والقلوبُ عليها والهة، والنفوس لها عاشقة، وهي لأزواجها قاتلة، فلا الباقي بالماضي يعتبر، ولا الآخِرُ بما رأى من أفعالها مزْدَجِر، قد أبتِ القلوبُ لها إلا حُبًّا، والنفوس لها إلا عشقًا، ومن عشق شيئًا لم يلهم غيره ولم يعقل سواه، فإيَّاك وإيَّاها، واحذرها كل الحَذَر. وذكر كلامًا طويلًا (١).
وكتب إليه أبو حازم: احذَرْ أن تلقَى محمدًا ﷺ وأنتَ بتبليغ الرسالة مصدِّق، وهو عليك بسوء الخلافة شهيد.
وكتب عمر ﵁ إلى عديِّ بن أرطاة عامله على البصرة في عزل من كان من العمَّال من أهل الذِّمَّة، وأن لا يستعين بهم (٢).
وقال في كتابه: إنه يجب على المسلمين أن يضعوا من أهل الشرك ما وضعَ اللهُ منهم، وأن يُنزلوهم منزلتَهمْ التي أنزلَهم اللهُ بها من الذُّلِّ والصَّغار، ولا يشركوهم في أماناتهم، ولا يُسَلِّطوهم (٣) على أهل الإسلام فيُذلُّونهم.
وكتب عمر ﵁ إلى سليمان بن أبي كريمة، وكان غازيًا: إن أحقَّ العباد بإجلال الله وخشيته مَن ابتلاه بمثل ما ابتلاني [به]، ولا أحدَ أشدُّ حسابًا ولا أهونُ على الله [إن عصاه] مني حيث ابتلاني، فادْعُ اللهَ لي، فإنك في معرض خير وإجابة (٤).
(١) ينظر "حلية الأولياء" ٦/ ٣١٣ - ٣١٤، و"إحياء علوم الدين" ٣/ ٢١١ - ٢١٢. (٢) أنساب الأشراف ٧/ ١٠٤. (٣) في (ب) و (خ) و (د): ولا يشركونهم … ولا يسلطونهم. والمثبت من "أنساب الأشراف" ٧/ ١٣٨. (٤) طبقات ابن سعد ٧/ ٣٨٣ (وما بين حاصرتين منه)، وأنساب الأشراف ٧/ ١١٤.