وهي ستُّ مئة بيت، فاشتهيتُ أن أحفَظَها لما فيها من مفاخر اليمن أهلي، فقلتُ: يا سيدي، ادفَعها إليَّ حتَّى أحفظَها، فدافَعَني، فألحَحْتُ عليه فقال: كأني بك تأخذُها فتحفَظُ منها خمسين بيتًا أو مئة بيتٍ ثم تَرمي بالكتاب فتُخْلِقَه عليَّ، فقلتُ: ادفعها إليَّ فدفعها، فدخلتُ الحُجْرَةَ فحفظتُها يومي وليلتي، ثم خرجتُ إليه غُدوةً فقال: كم حفظتَ منها؟ فقلتُ: الكلَّ، فقد رآني كذبتُه فقال: أنشدها من هاهنا، فأنشدتُه الجميع، فهاله حِفْظي، وضمَّني إليه، وقبَّل ما بين عينَيَّ وقال: بالله لا تُخبر بهذا أحدًا؛ فإنِّي أخاف عليك العين.
قال: وحفظتُ من شعر القدماء والمُحْدَثين مئتي قصيدة، [وكان أبي وشيوخنا بالشام يقولون: من حفظ للطائيين أربعين قصيدةً و] لم يقل الشِّعر فهو حمار في مِسْلاخ إنسان، فقلتُ الشعرَ وسنِّي دون العشرين سنة (١).
ذكر وفاته:
خرج إلى البصرة في ربيع الأول فتوفي بها، ودُفن في شارع المِرْبَد، وكان صَدوقًا ثقةً.
[القاسم بن] القاسم بن مَهْدي
أبو العباس، السَّيَّاري (٢).
من أهل مرو، كتب الحديثَ الكثير، وتفقَّه، وكان شيخَ أهل مرو، وأولَ مَن تكلَّم عندهم في حقائق الأحوال.
قال: مَن حفظ قلبَه مع الله تعالى بالصِّدق أجرى الله الحكمةَ على لسانه.
وقال: ظلمُ الأطماع يَحجب أنوار المشاهدات.
وسئل عن قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] فقال: إظهار غائبٍ وتغييبُ ظاهر.
(١) تاريخ بغداد ١٣/ ٥٥٣، وما بين حاصرتين منه. (٢) طبقات الصوفية ٤٤٠، حلية الأولياء ١٠/ ٣٨٠، الرسالة القشيرية ١١٨، المنتظم ١٤/ ٩٢، مناقب الأبرار ٢/ ١٥٦، تاريخ الإسلام ٧/ ٧٨٤، السير ١٥/ ٥٠٠ وما بين معكوفين منها كلها.