ولا خلاف أن الجنون لو طبق جميع الشهر لا يلزمه (٢) قضاء شيء بحال (٣).
ومأخذ النظر فيها: أن الوجوب عندنا يتلقى من خطاب الشرع، ولا خطاب في حق المجنون، وعندهم يتلقى من الأسباب، والأداء هو المفتقر إلى الخطاب، وزعموا أن خطاب الأداء هو التماس الفعل من المكلف، والمجنون ليس أهلا له، وخطاب الوجوب للإثبات في الذمة، وذمة المجنون صحيحة قابلة للحقوق، بدليل لزوم غرامة المتلفات وأرش الجنايات، وعند الشافعي يلزمه الزكاة، وخطاب الأداء يكون بعد ذلك بأمر جديد، فإن أفاق خوطب به.
* قالوا: والدليل على أن خطاب الوجوب غير خطاب الأداء أن من باع شيئا بثمن مؤجل؛ فالعقد يوجب الثمن في الذمة، والأداء يجب عند تصرم الأجل لا بنفس العقد، بل بأمر آخر (٤).
ونحن نقول: هذا التقسيم مقبول، ولكن في [المعاملات](٥)، فإن
(١) استحسانا عند الحنفية، والقياس أنه لا يلزمه، وهو قول زفر، وفرق محمد بن الحسن بين الجنون الأصلي والعارض، فأوجب القضاء في العارض دون الأصلي. ينظر: بدائع الصنائع (٢/ ٨٨، ٨٩)، وحاشية ابن عابدين (٢/ ٤٣٢، ٤٣٣). (٢) أي المجنون. (٣) بل فيه خلاف، وليس كما ذكر - ﵀ -، فمالك يوجب عليه القضاء، وهذا القول هو إحدى الروايتين عن أحمد. ينظر: المدونة (٢٧٧)، والإنصاف (٣/ ٢٩٣). (٤) أصول السرخسي (١/ ١٠٠ - ١٠٦). (٥) في الأصل: العلامات، والصواب ما أثبته.