الواحد في الزمان كالواحد في المكان، ثم لو كان في الدار رجل واحد اسمه زيد، فإنه لا فرق بين أن يناديه باسم الجنس، فيقول: يا رجل، أو يناديه باسم العلم، فيقول: يا زيد، فإنه على الوجهين جميعا يقال: إنه أصابه بدراية (١). ونحن نقول: هذا فاسد؛ فإن تعيين الزمان لو كان يغني عن تعيين النية
لكان يغني عن أصل النية، كما قال زفر (٢)، وما ذكروه من المثال فلا يناظر ما نحن فيه؛ فإن الرجل هناك موجود في الدار، وأنت تخاطبه، وفي مسألتنا الصوم ليس موجودا حاصلا، بل هو في ذمته لا يقع إلا بإيقاعه، ولا يحصل إلا بإيداعه، وهو في موضع الشرع أنواع مختلفة، فلا بد من قصد إلى خصيصته؛ ليفصله عن فصيلته، ولا يلزم على هذا الوضوء والحج؛ فإنهما يتأديان بنية مطلقة؛ لأنا نقول: أما الوضوء فهو رفع الحدث، أو استباحة الصلاة، وكل ذلك لا ينقسم إلى فرض ونفل.
وأما الحج فلا يلزم - أيضا -؛ لأن المخرج إلى التعيين دوران الفعل، بل ذات المأمور مستحقة الحضور بالمناسك.
(١) بدائع الصنائع (٢/ ٨٤). (٢) يرى زفر عدم اشتراط أصل النية لأداء صوم رمضان؛ لأن المشروع في رمضان صوم واحد، ولا يتصور في يوم واحد إلا صوم واحد. ينظر: المبسوط (٣/ ٥٩). وزفر هو زفر بن الهذيل بن قيس العنبري أبو الهذيل البصري، صاحب أبي حنيفة، ولد سنة (١١٠ هـ)، وكان أبو حنيفة يفضله، ويقول: هو أقيس أصحابي، جمع بين العلم والعبادة، كان من أصحاب الحديث، ثم غلب عليه الرأي، تزوج فحضره أبو حنيفة، فقال له زفر: تكلم، فقال أبو حنيفة في خطبته: هذا زفر بن الهذيل إمام من أئمة المسلمين، وعلم من أعلامهم في شرفه وحسبه وعلمه، قال ابن معين: ثقة مأمون، أقام بالبصرة، وتولى قضاءها، وبها توفي سنة (١٥٨ هـ)، وله ثمان وأربعون سنة. ينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي (١/ ١٣٥)، والجواهر المضية في طبقات الحنفية (١/ ٢٤٣ - ٢٤٤).