ثبت ارتفاع عقد الوديعة؛ قلنا: قضية كل عقد متى ارتفع فلا يعود حتى يجدد، كزوال الملك في البيع، وزوال الحل في النكاح، والسر فيه هو أن مقصود الوديعة وحكمها [الأصلي](١) إنما هو الحفظ، والصيانة، وأداء الأمانة، وقد زال هذا المقصود، فارتفعت الوديعة بزوال مقصودها.
وأبو حنيفة يدعي أن أمر المالك بالحفظ أمر عام؛ فإن حاصل الوديعة ومقصودها يعود إلى حفظ متعدد في أزمنة، لا إلى حفظ واحد، وإنما هو حفظ دائم مستمر كل وقت، يتعلق به حفظ، فهو أشياء لا شيء واحد، فإذا ترك الحفظ في وقت، وعاد إليه في وقت، فقد فات بعض المعقود عليه، وبقي بعضه، فكان حكم العقد باقيا فيما بقي، زائلا فيما فات، كما لو استأجر إنسانا ليحفظ ماله شهرا، فترك الحفظ أياما، ثم عاد إلى الحفظ بقية الشهر، فإنه يعود أجيرا، حتى يستحق أجره الباقي، وكذا لو رهن عصيرا فصار خمرا، ثم عاد خلا، عاد الرهن بعد انتفائه بالخمرية، وجملة الأمر: أنه مهما عاد إلى الحفظ فقد رد الوديعة إلى اليد الثانية الحافظة الممتثلة لأمر المالك، الموافقة لصيغة العموم في الاستحفاظ، فكان خارجا عن العهد (٢).
والجواب هو:
أنا لا نسلم أن المعقود عليه أشياء متعددة، بل المعقود عليه الحفظ، وهو حفظ واحد، فإن زال بطل العقد، بخلاف ما استشهد به من الإجارة؛ فإن المعقود عليه منافع البدن، وذلك متعدد، فإذا استوفى منافعه في وقت
(١) في الأصل: الأصل، والصواب ما أثبته. (٢) المبسوط (١١/ ١١٥، ١١٦).