وقال أبو حنيفة: ديون التجارة تتعلق برقبته، فيباع في قضائها عند ضيق ما في يده عن الوفاء (١).
ومأخذ النظر: ما أسلفناه في المسألة السالفة، وهو أن تصرفه عندنا حق السيد، فيظهر أثره في محل إذنه، وهي الأكساب، والرقبة لم يتناولها الإذن (٢).
وأبو حنيفة يقول: الأصل تعلق الدين بذمة العبد؛ فإن ذمته له، وهو متصرف بأهليته، ولا بد من قضاء الدين، وأقرب شيء منه رقبته، فقلنا: تتعلق الديون بها؛ لأنها حقه (٣).
ونحن نقول: هذا باطل؛ فإن كون العبد متصرفا لنفسه قد أبطلناه، وإن سلمنا فقولهم: إن رقبته أقرب شيء إليه، باطل؛ فإن الرقبة عبارة عن المالية، وهي مال السيد، وهو خالص ملكه، فهي أبعد شيء منه، وتمام كشف الغطاء عن هذا: أن الأصل المستقر، والقانون المستمر في الشرع تعلق الديون بالذمم؛ فإن العينية تنافي الدينية ولا تقبلها، إلا أن الشرع استثنى من هذا الأصل ثلاثة مواضع على خلاف الأصل؛ لعوارض وطوارئ:
أحدها: تعلق الدين بالعين المرهونة؛ لحاجة التوثق؛ ليستوفى الحق من ثمنه، كما يتعلق الدين بذمة الضامن والمحال عليه وإن لم يكن عليهما دين؛ لحاجة التوثق، وذلك لعقد المالك ومباشرته، وليست مسألتنا من هذا القبيل.