أبا الفرجِ اسلَمْ وابْقَ وانْعَمْ ولا تَزَلْ … يزيدُكَ صَرْفُ الدَّهرِ حظًّا إذا نقَصْ
مضَتْ مدَّةٌ تستامُ وصلَكَ غاليًا … فأرخِصْهُ والمبيعُ غالٍ ومُرْتَخَصْ
وآنَسْتَني في مَجْلِسي بزيارةٍ … شفَتْ قَرَمًا (١) من صاحبٍ لكَ قَدْ خَلَصْ
ولكنَّها كانَتْ كَحسْوةِ طائرٍ … فَواقًا (٢) كما يستَفْرِصُ السارقُ الفُرَصْ
وأحسِبُكَ استوحَشْتَ من ضيقِ مَحْبِسي … وأوجَسْتَ خوفًا مِنْ تَذَكُّرِكَ القَفَصْ
كذا الكُرَّزُ (٣) اللَّماحُ ينجو بنفسهِ … إذا عاينَ الأشراكَ تُنصَبُ للقَنَصْ
فَحُوشيتَ يا قُسَّ الطيورِ (٤) فصاحةً … إذا أُنشِدَ المنظومُ أو دُرِّسَ القَصَصْ
من المِنْسَرِ (٥) الأشغى (٦) ومن حَزَّةِ المُدى … ومن بُندقِ الرامي ومن قَصَّةِ المِقَصْ
ومن صَعْدةٍ فيها من الدَّبْقِ (٧) لَهْذَمٌ (٨) … لفُرْسانِكم عند الطِّرادِ (٩) بها قَعَصْ
فهذي دواهي الطيرِ وُقِّيت شرَّها … إذا الدَّهرُ من أحداثِهِ جرَّعَ الغُصَصْ
فأجابه يقول: [من الطويل أيضًا]
أيا ماجدًا مُذْ يَمَّمَ المجدَ ما نَكَصْ … وبدرَ تمامٍ مُذْ تكامَلَ ما نَقَصْ
ستَخْلُصُ مِنْ هذا السِّرارِ (١٠) وأيُّما … هلالٌ توارى بالسِّرارِ فما خَلَصْ
برأفةِ تاجِ المِلَّةِ المَلْكِ الذي … لِسُؤدُدِه في خُطَّة المشتري حِصَصْ
تَقَنَّصْتَ بالإحسانِ شُكري ولم أكُنْ … علمتُ بأنَّ الحُرَّ بالبِرِّ يُقتَنَصْ
وصادفتُ أدنى (١١) فُرصةً فانتهَزْتُها … بِلُقياكَ إذْ بالحزْمِ تُنْتَهزُ الفُرَصْ
(١) القَرَم: اشتداد الشهوة إلى اللحم. المعجم الوسيط (قرم).
(٢) الفَواق: الوقت بين الحلبتين، أو: الوقت بين قبضتي الحالب للضرع. المعجم الوسيط (فوق).
(٣) الكُرَّز: البازي. الصحاح (كرز).
(٤) المراد به قُسُّ بن ساعدة، وهو الخطيب الجاهلي المشهور، الذي يُضرب به المثلُ في البلاغة والفصاحة.
(٥) المِنسَر: هو ما ينتف به الطائرُ الجارحُ الأشياء، وهو لغير الجارح كالمنقار. المعجم الوسيط (نسر).
(٦) يقال: شغيَتْ أسنانُه؛ إذا اختلفت نبتتها وتراكبت. أساس البلاغة (شفي).
(٧) الدَّبْق: كل شيء لزج يصاد به الطير. المعجم الوسيط (دبق).
(٨) اللَّهذم: كل شيء قاطع من سنان أو سيف أو ناب. المعجم الوسيط (لهزم).
(٩) هكذا في النسخة الوحيدة التي ذكرت تلك الأبيات وهي نسخة (خ)، وفي المصادر: الطعان.
(١٠) السِّرار أو السَّرار أو السَّرر: آخر يوم أو يومين في الشهر وذلك عندما يستسِرُّ الهلال. اللسان (سرر).
(١١) المثبت من اليتيمة وغيرها من المصادر، وفي النسخة الخطية: أسنى، ولا معنى لها!.