ووقف عليه رجلٌ وقال: يا جَواد، فتأوَّه الشبلي وقال: نعم، يا جواد يعلو على كلِّ جواد، وبه جاد مَن جاد، كيف أصِفُه بالجود ومَخلوقٌ يقال في حقِّه مثلُه: [من الطويل]
تعوَّدَ بَسْطَ الكفِّ حتى لوانَّه … ثَناها لقَبْضٍ لم تُطِعْهُ أناملُهْ (١)
وأخَّر يومًا صلاةَ العصر إلى غروب الشمس، فقيل له: كادت الشمسُ أن تَغْرُب فأنشد: [من الوافر]
نَسيتُ اليومَ من عشقي صَلاتي … فما أدري عشائي من غدائي
وذِكْرُك سيدي أكلي وشُرْبي … ووجهُك إنْ رأيتُ شفاءُ دائي
وقال: كيف يصِحُّ لك التوحيد وكلَّما مَلَكتَ شيئًا مَلَكَك، وكلَّما أبصرتَ شيئًا أسرك؟
وقيل له: إلى ماذا تستريحُ قلوبُ المُشتاقين؟ فقال: إلى مُشاهدة من اشتاقوا إليه.
وقال: ما أحْوجَ الناس إلى سَكْرة تُفنيهم عن مُلاحظة (٢) نفوسهم وأحوالهم، ثم أنشد: [من الطويل]
وتَحسبُني حيًّا وإنِّي لَميِّت … وبعضي من الهِجْران يَبكي على بعضِ
فحتَّى متى روح الحَيا لا تَنالُني … وحتَّى متى أيَّامُ سُخْطِك لا تَمْضي
وتشَوَّش مِزاجُه فأُدخل دار المَرضى ليُعالج، فدخل عليه علي بن عيسى الوزير عائدًا، فقال له الشبلي: ما فعل ربُّك؟ فقال: في السَّماء يَقْضي ويُمضي، فقال: ما سألتُك عن الربِّ الذي لا تعبدُه، وإنَّما سالتُك عن الربِّ الذي تعبده، يُريد المُقتدر.
ودخل عليه أصحابه فقال: مَن أنتم؟ فقالوا: أحبابك، فأخذ يَرميهم بالحصا فهربوا فقال: لو كنتُم أحبابي لصبرتم على عَذابي [، وفي رواية: لو كنتم أحبابي لرضيتم ببلائي].
(١) طبقات الصوفية ٣٤٦، وحلية الأولياء ١٠/ ٣٧٣، ومناقب الأبرار ٢/ ٣١، ومختصر تاريخ دمشق ٢٨/ ١٧٧، والبيت لأبي تمام، انظر ديوانه ٣/ ٢٩ (بشرح التبريزي).
(٢) في (م ف م ١): مشاهدة.