ولما ثقل عمر ﵁ قال: أجلسوني. فأجلسوه، فقال: اللهمَّ [إنك] أمرتَني فقصَّرتُ، ونهيتَني فعصَيتُ، ولكن لا إله إلا الله. ثم رفع رأسه وأحدَّ النظر، فقالوا له: إنك لتنظرُ نظرًا شديدًا. فقال: إني لأرى حَضْرةً ما هم بإنسٍ ولا جنّ. ثم قبض (١).
وقال ﵁: ما أُحبُّ أن يُخَفَّفَ عني الموتُ، أو يهوَّن عليَّ، فإنه آخرُ ما يُؤجرُ عليه الإنسان.
ولما احتُضر قال: اخرجوا عني لا يبقى عندي أحد. فخرجوا (٢).
وقال محمد بن قيس: حضرتُ أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أوَّلَ مرضِه، اشتكى لهلال رجب سنة إحدى ومئة، فكان شكواه عشرين يومًا، فأرسل إلى ذِمّيّ ونحن بدَيْر سَمْعان، فساومَه بموضع قبره، فقال الذِّمِّيّ: يا أمير المؤمنين، إنها لخير أن يكون قبرُك في أرضي، قد حلَّلْتُك. فأبى عمر حتَّى ابتاعه منه بدينارين، ثم دعا بالدينارين، فدفعهما إليه (٣).
وقال إبراهيم بن ميسرة: اشترى موضع قبره بعشرة دنانير (٤).
وقال هشام: قال عمر للرهبان: انتفعوا بمكان قبري بعد خمس سنين. وقال له الراهب: أعطني قميصك. فيقال: إنه أسلم.
وكانت فاطمة بنت عبد الملك وأخوها مسلمة عند عمر ﵁، فقال أحدهما لصاحبه: لا نكون قد ثَقُلْنا عليه، فخرجا وهو منحرفٌ على غير القبلة. قالا: قلَّما لبثنا حتَّى عُدنا، وإذا هو متوجِّهٌ إلى القبلة وإذا متكلِّمٌ يتكلَّم لا نراه يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٥)[القصص: ٨٣].
(١) حلية الأولياء ٥/ ٣٣٥، وتاريخ دمشق ٤٥/ ٢٠٥. ونُسب الخبر في (ص) لأبي نُعيم. (٢) تاريخ دمشق ٥٤/ ٢٠٦ مطول. (٣) طبقات ابن سعد ٧/ ٣٩٢. وأخرج ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٥٤/ ٢٠٥ رواية محمد بن قيس من طريق ابن أبي الدنيا، وفيها أنَّه ابتاعه منه بثلاثين دينارًا. (٤) المصدر السابق، والأغاني ٩/ ٢٦٧. (٥) طبقات ابن سعد ٧/ ٣٩٢ - ٣٩٣. وينظر "تاريخ دمشق" ٥٤/ ٢٠٦.