وقال سابق البربري: وفد يزيد بن أبان الرَّقاشي على عمر فقال له عمر: عِظْني. فقال: ليس بين الجنِّة والنار منزل. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤] فبكى عمر حتَّى سقط (١).
ويزيد الرَّقاشي من الطبقة الثالثة من التابعين، من أهل البصرة، كان قد صام ستين سنة، حتَّى ذبل جسمُه، وتغيَّر لونُه، وكان يبكي طول الليل ويقول: يا إخوتاه، تعالوْا نبكي أيام الدنيا، وكان قد عطَّشَ نفسه ستين سنة، وكان لا يفطر إلا خمسة أيام (٢)، ويقول: سبقني العابدون، وقُطع بي.
وكان يتقلَّبُ على الرَّمل في اليوم الحارّ ويقول: يا يزيد من يصوم عنك بعد الموت؟ من يصلِّي عنك؟ من يسترضي ربَّك لك؟ ثم بكى حتَّى سقطت أشفارُ عينيه.
وكان يقول: إلهي إن كنتَ أذنتَ لأحدٍ من المحبِّين أن يصلِّيَ ويصوم في قبره، فأْذَنْ لي.
وقال ثابت البُناني: ما رأيتُ أحدًا أصبرَ على طول القيام والسهر من يزيد، وكان يقول في قصصه: يا معاشر مَن القبرُ بيتُه، والموتُ موعدُه، ألا تبكون؟!
وقيل له: أما تسأم من البكاء؟! فقال: وَدِدْتُ أن أبكيَ بعد الدموع دمًا، ثم الصديد، يا إخوتي، إن لم تبكُوا؛ فارحموا الباكي.
(١) بنحوه أطول منه في "الزهد الكبير" للبيهقي (٥٥١)، و"تاريخ دمشق" ١٨/ ٢٢٣ (مصورة دار البشير). (٢) يعني يوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق الثلاثة. وقد روى هو الحديث فيه عن أنس بن مالك ﵁ أخرجه أبو يعلى في "المسند" (٤١١٧). ووقع في (ب) و (خ) و (د) (والكلام منها): إلا بعد خسة أيام، وهو خطأ. وينظر "حلية الأولياء" ٣/ ٥٠، و"تاريخ دمشق" ١٨/ ٢٢٨ (مصورة دار البشير- ترجمة يزيد الرقاشي). (٣) ينظر "تاريخ دمشق" ١٨/ ٢٢٧ - ٢٣٢ (مصورة دار البشير)، و"صفة الصفوة" ٣/ ٢٨٩ - ٢٩٠، و"تهذيب الكمال" ٣٢/ ٧٠ - ٧٤. ولعل أبا العتاهية أخذ البيت، فقد نسب الراغب الأصفهاني في "محاضرات الأدباء" ٤/ ٤٩ له: نظلُّ نفرح بالأيام نقطعها … إلخ، وأورده محقق "الديوان" في "تكملته "ص ٢١٨ عن الراغب.