للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وأنشد عمر:

تَعلَّمْ فليسَ المرءُ يُولَدُ عالمًا … وليس أخو علمٍ كمن هو جاهلُ

وإن كبيرَ القومِ لا عِلْمَ عندَهُ … صغيرٌ (١) إذا التفَّتْ عليه المحافلُ (٢)

وقال: وفد خالد بن صفوان بن الأهتم على عمر ، فقال: يا ابنَ الأهتم، عِظْني وأَوجِزْ. وبيان عمر على سرير، فقال خالد: إن أقوامًا غرَّهم سترُ الله عليهم، وفتنَهم حسنُ الثناء، فلا يغلبنَّ جهلُ غيرك بك علمَك بنفسك، وإنه ليس أحدٌ من آبائك دون آدم إلا وقد ذاق الموت. فجعل عمر يبكي وابن الأهتم يعظُه، فنزل عمر من سريره، وجلس على الأرض بين يديه وابن الأهتم يقول: وأنت يا عُمر من أولاد الملوك الذين غُذُوا بالنعيم لا يعرفون غيره، وعمر يبكي وقد جثا على ركبتيه وهو يقول: يا ابنَ الأهتم، هيه هيه. فلم يزل يعظه حتَّى غُشِيَ عليه (٣).

وقال: قدم أبو حازم المدني على عمر بن عبد العزيز ، فلم يعرفه، وعرفَه عُمر، فناداه: يا أبا حازم، ادْنُ منّي. قال أبو حازم: فدنوتُ منه، فقال: ما أراك تعرفني؟! فقلت: بلى، أنت أمير المؤمنين. قال: أجل. فقلت: ألم تكن عندنا أميرَ المدينة؟! قال: بلى. قلت: كان مركبُك وَطِيًّا، وثوبُك نقيًّا، ووجهُك بهيًّا، وطعامُك شهيًّا، وقصرك مَشِيدًا، وخدمُك كثيرًا؟! فما الَّذي غيَّرَّك وقد صرتَ أمير المؤمنين؟! [قال:] فبكى وقال: يا أبا حازم، فكيف لو رأيتَني في قبري بعد ثلاث وقد سألَتْ حدقتاي على وجنتيّ، وجفَّ لساني، وانشقَّ بطني، وجالت الديدان في جسدي لكنت أشدَّ إنكارًا! أعِدْ عليَّ الحديث الَّذي حدثتني عن أبي هريرة بالمدينة. فقلت: حدثني أبو هريرة قال: قال رسول الله : "إن بين أيديكم عَقَبةً كؤودًا مضرَّسة، لا يجوزُها إلا كلُّ ضامر مهزول" [قال] فبكى طويلًا، ثم قال: أما ينبغي لي أن أُضَمِّرَ نفسي لتلك العقبة لعلِّي أنجو منها، وما أظنني بناجٍ.


(١) في النسخ الخطية غير (ص) (فالكلام ليس فيها): صغيرًا وأثبتُ اللفظة على الجادَّة. وينظر "مروج الذهب" ٥/ ٤٢٨، و"الحماسة البصرية" ٢/ ٧٦، و"المستطرف" ١/ ١٠٧.
(٢) الخبر في "مروج الذهب" ٥/ ٤٢٧ - ٤٢٨، وبنحوه في "أنساب الأشراف" ٧/ ٧٤.
(٣) ينظر "تاريخ دمشق" ٥/ ٤٦٣ - ٤٦٤ (مصورة دار البشير- ترجمة خالد بن صفوان بن الأهتم). ومن قوله: ذكر جماعة من الوافدين عليه من الشعراء وغيرهم … إلى هذا الموضع، ليس في (ص).