فقال له محمد بن الأشعث: إنك لا تُكذبُ ولا تُغَرُّ، إنَّ القوم بنو عمِّك، ليسوا بقاتليك.
ثم حملوه على بغلة، وانتزعُوا سيفه من عُنقه، فقال: هذا -واللهِ- أوّلُ الغدر. ثم بكى، فقيل له: من يطلبُ مثلَ الذي تطلبُ إذا نزل به مثلُ هذا لا يبكي (٢)! فقال: واللهِ ما أبكي لنفسي، وإنما أبكي للحسين وأهلي حيث يُصيبُهم ما أصابني.
ثم قال مسلم لمحمد بن الأشعث: هل لكَ أنْ تبعثَ إلى حُسين، فتخبرَه أنَّ أهلَ الكوفة قد كذَّبوه وكذَّبوني، وأنه ليس لمكذوبٍ رأي. فقال: إني واللهِ أَبعثُ إليه، وأُخبِرُ ابنَ زياد أنَّني أمَّنتُك.
وبعثَ إلى الحسين إياسَ الطائيَّ بكتابٍ فيه ما قال مسلم، وأعطاه نفقةً وراحلةً، فلقيَه بِزُبالة (٣)، وأخبرَه وبلَّغه الرسالة، فقال حسين: كل ما حُمَّ (٤) نازلٌ، وعند الله نحتسبُ أنفسَنا وفسادَ أُمَّتِنا.
وأقبل محمد بن الأشعث بمسلم إلى باب القصر، وأخبر ابنَ زياد بأمان محمد، فقال: إنما أرسلناك لتأتيَنَا به، لا لتؤَمِّنَه.
وكان مسلم قد عطش، وإذا بِقُلَّةٍ على باب القصر فيها ماء، فقال: اسقوني. فقال له مسلم بن عَمرو: ما أبردها! واللهِ لا تذوقُ منها قطرة حتى تذوقَ الحميم في نار جهنّم. فقال له مسلم: ويحك، مَنْ أنت؟ فقال: أنا مَنْ عرفَ الحقَّ إذْ أنكرتَه، ونصح إمامه إذْ
(١) في "تاريخ" الطبري ٥/ ٣٧٤: كلُّ امرئٍ يومًا ملاقٍ شرَّا … ويُخلط الباردَ سُخنًا مرَّا رُدّ شعاع الشمس فاستقرًا … أخاف أن أُكذبَ أو أُغرَّا (٢) القائل هو عمرو بنُ عبيد الله بن عباس السُّلمي، كما في "تاريخ" الطبري ٥/ ٣٧٤. وسلف ذكره في الخبر. (٣) زُبالة، بضم الزاي: قرية عامرة معروفة بطريق مكة من الكوفة. ووقع في (خ): فلقيه علي بن زبالة، وهو خطأ. وينظر الكلام في "تاريخ" الطبري ٥/ ٣٧٥. (٤) أي: قُضِيَ.