واستخدمِ الأيَّام قبل نفورها … واستغنمِ اللَّذَّاتِ قبل حِرانها
جاءَتْكَ أيَّامُ الرَّبيعِ فمرحبًا … بقُدُومها وبحُسْنِ فِعْلِ زمانِها
وحَبَتْك من سرِّ السَّحاب بجنَّةٍ … تتفنَنُ الأبصارُ في أفنانِها
وبَدَتْ لك الدُّنيا تُدِلُّ بحُسْنها … وبهائِها وتميسُ في أرْدانِها
أرأيتَ أبهى من بدائعِ نَوْرِها … في الرَّوضِ طالعةً على غُدْرانها
فكانَ مَعْبد أُوْ مُخارِقَ أصبحا (١) … في طِيبِ صوتهما كبعض قِيانها
يا صاح ما لك لا تزال مُوَلَّهًا … تُعطي الصَّبابةَ منك فَضْلَ عِنانها
ما للرِّياض إلى دموعك حاجةٌ … قد ناب صَوْبُ الغَيثِ عن هَمَلانها
هل أذكَرَتْكَ علامةٌ لشقيقها … أم هيَّجتْك إشارةٌ في بانها
أم حرَّكَتْ منك البلابلُ ساكنًا … بحنينِ ما رَجَّعْنَ من ألحانها
ما ذاك إلا أنَّ في الأحبابِ ما … أجرى لك العَبَراتِ من ألوانها
فذكرتَ ألوانَ الخُدودِ بوَرْدِها … وسوالف الأَصْداغ من رَيحانها
وكذا المحاسنُ لا تكون محاسنًا … إلا إذا جُليت على أقرانها
آهًا لقلبٍ لم يزل في صَبْوَةٍ … وصبابةٍ يُلْقى على نيرانها
غَلَبَتْ عليه يدُ النَّوى ويدُ الهوى … كالنَّارِ لا يقوى على سُلْطانها
يا قاصدًا أرضَ الأَحِبَّة زائرًا … بلِّغْ تحيَّتَنا إلى سُكَّانِها (٢)
وقال العماد الكاتب: ابن النَّقَّار الدِّمشقي، كان فاضلًا، كتَبَ لملوكِ دمشق ولنور الدين، وعاش نيفًا وتسعين سنة، ومن شِعْره: [من الكامل]
الله يعلَمُ أنَّني ما خِلْتُهُ … يَصْبو إلى الهِجْران حين وَصَلْتُهُ
مَنْ مُنْصفي مِن ظالمٍ مُتَعَتِّبٍ … يزدادُ ظُلْمًا كلَّما حكَمْتُهُ
ملَّكْتُه رُوحي ليحفظَ مُلْكَه … فأضاعني وأضاع ما ملَّكْتُهُ
(١) معبد هو ابن وهب، من كبار المغنين في العصر الأموي، توفي سنة (١٢٦ هـ)، وله ترجمة في الأغاني: ١/ ٣٦ - ٥٩ طبعة دار الكتب، ومخارق: هو ابن يحيى الجزار، كان إمام عصره في فن الغناء في العصر العباسي، وتوفي سنة (١٢٣ هـ)، وله ترجمة في الأغاني: ٣/ ٧١ - ٧٢ طبعة دار الكتب، ولم يصرف الشاعر "معبد" لضرورة الشعر.
(٢) القصيدة بتمامها في "تاريخ ابن عساكر": ٨/ ١٠٠٦ - ١٠٠٧.