يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: ٢٣] وقال: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}[الحشر: ٢١] ويدل على أن هذا شيء خُصَّ القرآن به أنه يَعْتَرِي مَنْ لا يفهم معانيه ولا يعلم تفاسيره، كما روى عن نصراني أنه مر بقارئ، فوقف يبكى. فقيل له: مم بكيت؟ قال: للشجا والنظم.
وهذه الروعة قد اعترت جماعة قبل الإسلام وبعده فمنهم من أسلم لها لأول وَهْلَةٍ، ومنهم من كفر، فَحُكِيَ في الصحيح عن جبير بن مطعم قال سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)} وإلى قوله: {الْمُصَيْطِرُونَ} كاد قلبي أن يطير للإسلام (١).
وعن عتبة بن ربيعة أنه كلم النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما جاء به من خلاف قومه فتلا عليهم:{حم} فصلت إلى قوله: {صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)} فأمسك عتبة بيده على فِي النبي - صلى الله عليه وسلم - وناشده الرحم أن يكف، وفي رواية: فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ وعتبة مصغ ملق يديه خلف ظهره معتمد عليهما حتى انتهى إلى السجدة فسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - وقام عتبة لا يدرى بم يراجعه، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قومه حتى أتوه فاعتذر لهم، وقال: والله لقد كلمني بكلام، والله ما سمعت أذناى بمثله قط فما دريت ما أقول له (٢).
وقال مالك بن نبي: وهناك شهادات سجلتها لنا السيرة في ذلك العصر، تقدم لنا معلومات واسعة عن التأثير الغلاب الذي كان لآيات القرآن على النفس البدوية.
فعمر - رضي الله عنه - يتحول إلى الإسلام بفعل هذا التأثير، على حين قد عبر الوليد بن المغيرة الذي كان مثالا في الفصاحة والفخر الأدبي عن رأيه في (سحر القرآن) بقول: والله، . . .، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يُعلى عليه.
(١) صحيح البخاري (٤٤٧٦). (٢) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ١/ ٢٧٣.