للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وعلى كل حال، فصاحب «الغرر» لا يخلو من أحد أمرين في النظر والعقل:

إما أن يكون قد استعان في اختصاره «المحصول» بكتاب «التحصيل»، فكان ينظر في الكتابين وقد تغلب عليه عبارة الثاني في بعض المواطن. وإما أنه اختصر كتابه من «التحصيل» دون نظر لأصله.

وإذا كنا في سعة الاحتمال ومجمل الحال، حملنا الأمر على الأول، فلنا في هذا مندوحة عن الاحتمال الثاني، صيانة للمؤلف وإحسانا للظن به أن يكون أتى بدلسة في كتابه أو أنه لم يف بما قال من أن كتابه اختصار «للمحصول». حتى تقوم بينة على خلاف هذا، فنحمل كلامه على أنه تأول شيئا ولم يصب فيه (١). وعلى كل حال، فاستفادة المؤلف من «التحصيل» وإن كانت ظاهرة طاغية على الكتاب، لا تعني اقتصاره عليه وحده، بل لعل صواب العبارة أن يقال: أن المؤلف أثناء كتابته كان بين يديه «التحصيل» فتعجبه عبارته فيستفيد منها في كتابه، وقد يخالفه ويضع عبارة هي أولى عنده منها. ولم يزل هذا شأن الناس في العلم، يفيد بعضهم من بعض ويأخذ اللاحق من السابق.

ويبقى بعد هذا أمر لا يسعنا إلا أن نقر فيه بتقصير المؤلف سامحه الله، ألا وهو عدم ذكره - ولو بالإشارة الملغزة والتنبيه المبهم - لصاحب «التحصيل»، مع ما له عليه من منة الانتفاع بكتابه، والاستعانة به في عرض


(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من أعظم التقصير: نسبة الغلط إلى متكلم مع إمكان تصحيح كلامه، وجريانه على أحسن أساليب كلام الناس"، «مجموع الفتاوى» (٣١/ ١١٤).

<<  <   >  >>