فإن قيل: إنما أمر بالمقدمات، لقوله تعالى: ﴿قد صدقت الرؤيا﴾ [١٠٥: الصافات] ولو أمر بالذبح لقال: "قد صدقت بعض الرؤيا". فإن عارض بقوله تعالى: ﴿أفعل ما تؤمر﴾ [١٠٢: الصافات]، فإنه يجب عوده إلى شيء فيعاد إلى الذبح؛ لأنه المذكور أولا. ولأنه قال تعالى: ﴿إن هذا لهو البلؤا المبين﴾ [١٠٦: الصافات]. والمقدمات لا توصف بذلك. قلنا: قوله تعالى: ﴿أفعل ما تؤمر﴾ إنما يفيد في المستقبل لا في ما مضى.
وعن الثاني: أن الإضجاع وأخذ المدية مع الظن الغالب بإنه مأمور بالذبح بلاء عظيم. على أنا نمنع النسخ، فإنه نقل أنه ذبح وكلما قطع موضعا وصله الله تعالى. ونقل أيضا أنه تعالى جعل على عنقه صفيحة حديد.
ثم ما ذكرتم يقتضي كون الشخص الواحد مأمورا منهيا عن فعل واحد في وقت واحد من وجه واحد، فإن الكلام فيه، وذلك محال؛ لأن الأمر إن علم الفعل لزم الأمر بالقبيح والنهي عن الحسن. وإن لم يعلم يلزم البداء، وذلك محال عليه تعالى.
والجواب عن الأول: أن تصديق اللزوم لا يدل على أنه أتى بكل المأمور، وإلا لما احتاج إلى النداء. وهذا جواب عن قوله:"كلما قطع موضعا التحم". وأما الصفيحة، فإنها تكليف ما لا يطاق.
وعن الثاني: أنا لا نقول بالحسن والقبح العقليين. ثم قد يحسن الأمر لغير مصلحة تحصل من الفعل. مثاله: أن السيد قد يأمر عبده بالذهاب إلى بلده غدا راجلا. وغرضه توطين نفس العبد على الامتثال ورياضته، مع علمه بأنه سيرفعه عنه غدا.