وهؤلاء الشراح وغيرهم هم الذين كان يقصدهم الزركشي - فيما أعتقد - حين قال:«وجاء من بعده - يعني الشافعي ﵀، فبينوا وأوضحوا وبسطوا «وشرحوا»، حتى جاء القاضيان: قاضي السنة أبي بكر بن الطيب، وقاضي المعتزلة عبد الجبار، فوسعا العبارات، وفكا الإشارات، وبينا الإجمال، ورفعا الإشكال، واقتفى الناس بآثارهم، فحرروا وصوَّبوا وقرروا وصوروا، فجزاهم الله خير الجزاء» (١).
ويلاحظ على هذه المحاولات التي ذكرها الزركشي، سواء كانت على «رسالة» الشافعي، من بيان وإيضاح وبسط وشرح، أو المحاولات التي توالت على مؤلفات القاضيين من تحرير وتصويب وتصوير، كانت كلها ضمن مؤلفات انحدرت إلى الأجيال التالية عبر التعليم.
وإذا ألقينا نظرة في مراجع الزركشي التي استخدمها في إعداد كتابه «البحر المحيط» والتي رتبها حسب مذاهب أصحابها، وجدنا مصداق قول إمام الحرمين:«طالعت في نفسي مائة مجلدة». وهو نصف الثروة التي آلت إلى الزركشي يقول عنها:«اجتمع عندي بحمد الله من مصنفات الأقدمين في هذا الفن، ما يربو على المئين. . .»(٢).
وإذا أنصتنا إليه وهو يعدد كتب الأصول من لدن الإمام الشافعي إلى وقت إمام الحرمين، أدركنا مقدار ضخامة التراث الأصولي الذي نقطع بأن إمام الحرمين استفاد منه، وكان له الأثر البالغ على فكره الأصولي.
(١) راجع البحر المحيط (١/ ٦). (٢) راجع البحر المحيط (١/ ٦).