فإن قيل: قد أثبتم الاستدلال، ولم تقبلوه على الإرسال، وزعمتم أن المقبول منه ما يلتفت إلى الأصول، ويضاهي معانيها، ولم تأتوا في ذلك بقول ضابط يستبين به المقبول من المردود. قلنا: الوجه في ذلك أن نقول: إذا ثبت حكم متفق عليه في أصل، ثم رام المستنبط إثارة معنى يعتقده مناطًا للحكم، فما الضبط فيما يقبل ويرد منه؟ فليقل المستدل: كل معنى لو ربط به حكم متفق عليه في أصل، لجرى واستد. فإذا اعتبره المستدل من غير إسناد إلى أصل، كان مقبولًا» (١) إلى آخر الكلام.
قال الشيخ: إن كان الإمام ممن يقول بالمناسب الغريب، فلا يصح منه الكلام، فإن الغريب إذا استنبط من أصل، وسلم على السبر، كان معمولًا به، وصلح أن يكون مناطًا. ومع ذلك لو وجد في محل مختلف فيه، فإنه [لا] يعمل به؛ لأنه لم يوجد فيه التقريب المشترط في المرسل (٢)، فقد انتقض هذا الضبط. وإن كان لا يقول بالمناسب الغريب، فيصح له الضابط كما ترى.
(١) نفس المرجع (٤/ ١٦٨، ١٦٩). (٢) ما بين معقوفين زيادة يقتضيها السياق. والمعنى: أن الجويني وصف التقريب المشترط بأن يكون المعنى المناسب فيه ربط به حكم متفق عليه، فإذا كان مذهبه القول بالمناسب الغريب - وهو لا يشهد له نص ولا إجماع - فقد تخلف فيه شرط إعماله مرسلا؛ وانتقض مذهبه المقدَّر. وإن كان مذهبه عدم القول بالغريب؛ صح له اشتراط ربط المناسب بحكم متفق عليه.