بيان الثالث - وهو الميز من جهة النظر إلى وجود أحدهما دون الآخر، هو أن المأمور به يدرك تفرقة بين حالته وهو آمر، وبين حالته وهو مأمور؛ مع كونه مريدًا لإيقاع الفعل في الحالين، فكذلك الآمر إذا أمر غيره بفعل هو مريد لإيقاعه، والمأمور مريد أيضًا لإيقاعه، فقد اشتركا في الإرادة، مع أن الفرق بين [الآمر](١) والمأمور معلوم، فقد وجدت الإرادة فيهما بدون الاقتضاء في حق المأمور. والفرق إنما يحصل بشيء يختص أحدهما به.
وهذا على مذهب المعتزلة ألزم، من جهة أن مذهبهم أن الاشتراك في الأخص من الصفات يلزم منه الاشتراك في الأعم، وقد اشتركا في أخص الصفات، وهو التعلق بمتعلق. وهذا الفرق بعينه يطرد في الميز بين الأمر وبين العلم، فإن الحاكي لصيغة الأمر يعلم نظم الصيغة، وكذلك الآمر حقيقة يعلم نظم الصيغة، مع أن أحدهما قام به الاقتضاء حقيقة، والآخر لم يقم به شيء، وهو الحاكي. هذا من جهة بيان وجود الإرادة بدون الأمر.
وما ذكره الإمام من الصورة المفروضة من الكتاب، فهو بيان الأمر بدون الإرادة. والفرق بين القدرة والأمر: أن القدرة على الشيء توجد من الذاهل - من تحريك اليد وغيره - بخلاف الأمر، فإنه لا يوجد إلا من العالم.
[١٥٩] وقوله: «فإن قيل: ما يصدر منه في الصورة المفروضة لا يكون أمرًا» ثم قال في الجواب: «قد فهم العبد ضرورة» إلى قوله: «كيف
(١) في المخطوط: «الإرادة». وقد يكون الصواب: «. . . الإرادة [من الآمر] والمأمور. . .»، والمثبت أولى.