قال الشيخ: ما ذكره الإمام في هذه المسألة في ترجيح مذهب الشافعي لا ينبغي أن يقال، لأن فيه إشارة إلى قدح في هذه الأئمة الذين اشتهر دينهم وفضلهم، وطبق طبقات الأرض، وليس أحدٌ في عالم الله إلا ويعترف لهم بالفضل والدين، ولكن إذا أراد الإنسان أن يسلك مسلكًا في الترجيح، فليذكر ما اشتهر عن أبي حنيفة من تقديم القياس على الأخبار، وما اشتهر عن مالك من تقديم عمل أهل المدينة أيضًا، إلى غير هذا مما يشاكله. فيظهر هذا أن مذهب الشافعي أقرب إلى نفس الشرع، ولا يلزم من هذا قدح. هذا هو الطريق اللائق. والله أعلم.
[٣٣١]«مسألة: ذهب معظم الأصوليين إلى أن المجتهد لا يجوز له الاقتصار على ترجيح مذهب على مذهب من غير تمسك بما يستقل دليلًا. وحكى صاحب «المغني»، وهو عبد الجبار (١) في كتابه الملقب بـ «العمد» عن بعض أصحابه جواز الاكتفاء بالترجيح، وسقوط هذا المذهب واضح» (٢).
قال الشيخ: أما سقوط هذا المذهب، فلا حاجة إلى بيانه، فإن الواضحات أبين من أن تبين. ولكن يقع النظر أولا في هذه المسألة؛ وهل بينها وبين المسألة المتقدمة فرق أم لا؟ والذي أراه أنه لا فرق بينهما. وهذا واضح.
(١) هو عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار بن خليل الهمذاني الأسد آبادي، أبو الحسن قاضي القضاة، كان إمام أهل الاعتزال في زمانه، فقيها ينتحل مذهب الشافعي في الفروع. له تصانيف كثيرة منها: «المغني»، و «شرح الأصول الخمسة» و «العمد» وغيرها. توفي سنة (٤١٥) هـ. راجع ترجمته في: كتاب فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: ١٢١. وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٤٤). وطبقات ابن السبكي (٥/ ٩٧). وشذرات الذهب (٣/ ٢٠٢). (٢) راجع التحقيق والبيان في شرح البرهان (٤/ ٢٣٨، ٢٣٩).