للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

قريحته وكياسة غريزته، لما يرى فيه من المخايل. درس بعده في حلقته بعد أن أتى على جميع مصنفاته، فقلبها ظهرا لبطن، وتصرف فيها، وخرج المسائل بعضها على بعض، ودرَّس سنين. ولم يرض في شبابه بتقليد والده وأصحابه، حتى أخذ في التحقيق، وجد واجتهد في المذهب والخلاف ومجالس النظر.

فكان يقيم الدرس، ثم يقوم منه، ويخرج إلى مدرسة البيهقي ليغنم درس الأصول على الأستاذ أبي القاسم الإسكاف. وكان يصل الليل بالنهار في التحصيل. ويبكر كل يوم قبل الاشتغال بدرس نفسه إلى مسجد الأستاذ أبي عبد الله الخبازي، يقرأ عليه القرآن. ويقتبس من كل نوع من العلوم ما يمكنه، مع مواظبته على التدريس.

وبقي على ذلك إلى أن اضطربت الأحوال، فاضطر إلى السفر مع بعض المشايخ قاصدا بغداد، فالتقى بأكابر العلماء ودارسهم وناظرهم. ثم خرج إلى الحجاز، وجاور بمكة أربع سنين، يدرس ويفتي، ثم رجع إلى نيسابور بعد مضي نوبة التعصب. فسلم إليه التدريس والخطابة والوعظ.

ولما بنيت «المدرسة النظامية» أقعد للتدريس فيها، وبقي على ذلك قريبا من ثلاثين سنة غير مزاحم.

واشتغل عليه الطلبة ورحلوا إليه من الأقطار (١). كان يقعد بين يديه نحو من ثلاثين فقيه. وتخرج به جماعة من الأئمة. وتوثقت صلته «بنظام الملك»، الوزير السلجوقي، وألف له كتبا. ونال من وفور الحشمة عنده ما لم يتفق لغيره من الأئمة. وصارت حشمته ملاذ العلماء والأئمة والقضاة. وأصبح قوله في


(١) راجع البداية والنهاية (١٢/ ١٨٣).

<<  <   >  >>