وإذا كان الإمام لم يتكلم في علم الكلام كلمة حتى حفظ من كلام الباقلاني اثني عشر ألف ورقة، فالظاهر أنه لم يتكلم في الأصول حتى طالع مثلها في الفن كذلك. إلا أن اشتغاله بالكلام - وهو عنده إثبات العقائد بالأدلة العقلية - قد انعكس على طريقته في أصول الفقه. ومن ثم كان من أبرز الأصوليين المتكلمين. وقد نقل طرق البحث من علم الكلام إلى علم أصول الفقه، وهي محاولة عقلية بحتة تقوم على تجريد القواعد العامة من المسائل الفقهية، وتستند إلى الاستدلال العقلي والبرهنة النظرية.
ولقد كشف الغزالي عن هذا الاتجاه فقال:«وإنما أكثر فيه المتكلمون من الأصوليين لغلبة الكلام على طبائعهم، فحملهم حب صناعتهم على خلطه بهذه الصنعة»(١).
ولقد وجد الإمام في البحث في أصول الفقه ما يتفق مع نزعاته العقلية، وميله إلى التجريد. ولهذا جاء كتابه «البرهان» من أحسن ما ألف على هذه الطريقة.
يقول ابن خلدون:«وكان من أحسن ما كتب فيه - يعني أصول الفقه - المتكلمون، «البرهان» لإمام الحرمين، و «المستصفى» للغزالي، وهما من الأشعرية، وكتاب «العمد» لعبد الجبار، وكتاب «المعتمد» لأبي الحسين البصري، وهما من المعتزلة. وكانت الأربعة قواعد الفن وأركانه» (٢). وكأني بإمام الحرمين في محاولته نقل مناهج البحث الكلامية إلى علم
(١) راجع المستصفى (١/ ١٠). (٢) راجع مقدمة ابن خلدون: ٤٢٠.