للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

اعلم أنهُ لا يُدركُ وجوبُ شكرِ المُنعمِ بالعقلِ» (١)، إلى آخره.

قوله: «ترسم»، بمعنى تسمى به تسمية لقب، ولا تختص به، إنما تختص بوجوب النظر العقلي، لأنَّ المعتزلةَ قسموا الأفعال إلى ثلاثة أقسام:

منها ما يدرك ضرورة بالعقل، وقد مثل بمسألة التحسين والتقبيح.

ومنها ما يدرك بالنظر العقلي، وقد مثله بهذه المسألة.

ومنها ما يدرك بالسمع، وقد مثل بمسألة «لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع». اختلف الأصوليون في هذه المسألة:

فمذهب المعتزلةُ: أنَّ العقلَ يُوجبُ شكرَ المُنعمِ، والنظر المؤدي إلى معرفة الصانع وغير ذلك مما يستقل العقل بدركهِ. ومذهب الأشعريةِ: أنه لا يدرك وجوب الشكرِ بالعقلِ. ومدار النظر فيها على ما سبق في التحسين والتقبيح.

دليلنا هو أنا نقولُ: لو كان العقل يُوجبُ الشكرَ، فلا يخلو: إما أن يوجبهُ لفائدةٍ أم لا. إن لم يوجبهُ لفائدةٍ فهو محال، لأنهُ يؤدي إلى العبث في حق الباري، لأنَّ الفعل بلا فائدةٍ عبثٌ عندهم. وإن كان لفائدةٍ، فلا يخلو: إما أن يتعلق بالشاكر أو المشكور. إن تعلق بالمشكور فلا يصح، لأنه لا ينتفع ولا يتضرر.

وإن تعلق بالشاكر، فلا يخلو: إما أن يكون عاجلا أو آجلا، فإن كان عاجلا، فلا يصح، لأنَّ الشكر قد وقع شاهدًا (٢)، ولا ثواب عاجل، وإن كان آجلا، فهو جائز الوقوع، والعقول لا تهتدي إلى درك وقوع الجائزات، وإنما


(١) راجع التحقيق والبيان في شرح البرهان (١/ ٣٠٧).
(٢) الشين مهملة في الأصل. وراجع البرهان (١/ ٨٥).

<<  <   >  >>