الدليل الرابع: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جَاءَ رَجُلٌ وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يَتَّجِرُ [وفي رواية: يتصدق] عَلَى هَذَا؟» فَقَامَ رَجُلٌ فَصَلَّى مَعَهُ (١).
أن قول هؤلاء القوم مجتمعين أرجح مما ذهب إليه الحافظ، ليس فقط لإمامتهم وسعة علمهم وكثرتهم ولكن أيضًا: لأن الدليل الذي اتكأ عليه الحافظ ينازع فيه ولا يسلم له. فالرواية التي ذكرها الحافظ، من طريق بقية بن الوليد، الذي يعرف عند الجميع بتدليسه وتسويته، والرواية المذكورة عن ابن منده ليس فيها تصريح بالسماع، لكن قد وجدنا التصريح بالتحديث عند الدارقطني - كما سبق - فقال بقية: حدثني إبراهيم بن ذي حماية حدثني عبد الملك بن عمير عن جابر عن أبيه. بيد أن هذا الطريق يطرأ عليه الشك والريبة من وجهين: الأول: أن يكون التصريح بالتحديث هنا وهم من الرواة عن بقية، وهما عمرو بن حفص الوصابي [مقبول]، ومحمد بن عمرو بن حنان [صدوق يغرب]، فيظل احتمال التدليس قائمًا. الثاني: أن يكون عبد الملك نفسه قد أرسل الحديث عن جابر، بعد أن سمعه من يعلى أو غيره - خاصة وأن عبد الملك كان يرسل عن بعض من لم يسمع منهم [كما في التهذيب، وجامع التحصيل]، بل عده البعض في المدلسين [كابن حجر، والحلبي في التبيين]. ثم وقفت بعد ذلك - على خلاف على إبراهيم بن ذي حماية [والذي ذكره ابن حبان في الثقات وقال: من فقهاء أهل الشام وصالحيهم]، حيث روى الجراح بن مليح [كما عند الطبراني في الأوسط: ٤٣٩٨]، عنه عن غيلان بن جامع، عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه، [وفي الطريق إلى الجراح من لم أعرفه]. فلعل الخطأ يكون عند إبراهيم - وهذا احتمال بعيد - أو ممن هو دونه، والله أعلم. الخلاصة: هذا الحديث إسناده صحيح، أو قد يحسن على أقل الأحوال، والحديث قد صححه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، وصححه ابن السكن [نقل ذلك عنه الحافظ في التلخيص: ٢/ ٧٣]، وقال البيهقي: هذا الحديث له شواهد، فالاحتجاج به وبشواهده صحيح، والله أعلم. اهـ. وسيأتي ذكره مختصرًا مرة أخرى (ص ٤٠٤).
(١) إسناده صحيح: والحديث مداره على: سليمان الأسود [وثقة ابن معين وابن المديني وغيرهما]، عن أبي المتوكل [علي بن داود: ثقة من رجال الصحيحين]، عن أبي سعيد. وقد رواه عن سليمان جماعة، هم: