القول الثالث: تكره إمامة المرأة للنساء، فرضًا ونفلًا.
وبهذا قال الحنفية (٢).
واستدلوا على ذلك بالنظر، فقالوا:
إن جماعة النساء وحدهن لا تخلو عن ارتكاب مكروه، فإن إمامتهن إما أن تتقدم على القوم، أو تقف وسطهن، وفي الأول زيادة الكشف، وهي مكروهة، وفي الثاني ترك الإمام مقامه، وهو مكروه.
وترك ما هو سنة أولى من ارتكاب مكروه (٣).
وأجاب هؤلاء عن الأدلة التي استدل بها الفريق الأول بأنها منسوخة بقوله ﷺ:«صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها»(٤).
(١) الذخيرة [٢/ ٢٤٢]، وذلك لأن المالكية لا يرون إمامة الصبي، وانظر قولهم في تلك المسألة (إمامة الصبي). (٢) قال ضياء الدين المرغيناني: ويكره للنساء وحدهن الجماعة. اهـ. [العناية شرح الهداية مع فتح القدير: ١/ ٣٥٢]، المبسوط [١/ ١٨٤]. (٣) [العناية مع فتح القدير: ١/ ٣٥٢]. (٤) أخرجه أبو داود (٥٧٠)، والبزار [البحر الزخار: ٢٠٦٠، ٢٠٦٣]، وابن خزيمة [١٦٨٨، ١٦٩٠]، والحاكم [٧٥٧]، وعنه البيهقي [٣/ ١٣١] = كلهم من طريق عمرو بن عاصم عن همام، عن قتادة، عن مورق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله - بن مسعود - عن النبي ﷺ. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد احتجا جميعًا بالمورق بن مشمرج العجلي. اهـ. قلت (القائل أحمد): أبو الأحوص هو عوف بن مالك، ولم يخرج له البخاري في صحيحه، وإنما أخرج له في «الأدب المفرد»، فلا يقال: إنه على شرطه، وإنما أخرج له مسلم، ولذا قال النووي في المجموع [٤/ ١٩٨]: رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم اهـ. وهذا الإسناد يكاد أن يصحح لولا ما يخشى من عنعنة قتادة، فإني لم أجده مصرحًا بالتحديث في الأماكن المذكورة، وقد علق ابن خزيمة في صحيحه الحكم على الحديث بالصحة بسماع قتادة الخبر من مورق، حيث قال: «باب اختيار صلاة المرأة في بيتها على صلاتها في حجرتها، إن كان قتادة سمع هذا الخبر من مورق» اهـ. فالله أعلم. ولهذا الحديث بنفس الإسناد السابق لفظ آخر، مغاير للفظ المذكور شيئًا ما وهو «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من [وجه] ربها وهي في قعر بيتها». أخرجه الترمذي [١٧٣]، بدون الفقرة الأخيرة - وقال: حسن غريب اهـ، وابن خزيمة (١٦٨٥)، وابن حبان [٥٥٩٩]، والطبراني في الكبير [١٠/ ١٠٨]، والبزار [البحر الزخار: ٢٠٦] = كلهم من طريق قتادة، عن مورق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا. وقد حدث خلاف في إسناد هذا الحديث، وكذا في وقفه ورفعه. - وانظر أطراف الغرائب والأفراد للدارقطني [٣٩٠٧]، وكذلك العلل له [٩٠٥]. - وللمتن شواهد انظرها في صحيح سنن أبي داود [٣/ ١٠٩].