= ورواية عبد الوهاب تقدم على رواية معاذ لسببين: أ - أن عبد الوهاب سلك غير الجادة في هذا الحديث، فرواه عن سعيد، عن قتادة، عن بكر ابن عبد الله، بينما سلك معاذ طريق الجادة، فرواه عن سعيد، عن قتادة، عن أنس. ب - أن عبد الوهاب من أعلم الناس بحديث سعيد. قال ابن سعد عنه: لزم سعيد بن أبي عروبة، وعرف بصحبته، وكتب كتبه. اهـ. وقال الإمام أحمد: كان عبد الوهاب من أعلم الناس بحديث سعيد. [كما في التهذيب]. وأما ما نقله ابن رجب [شرح علل الترمذي: ٢/ ٧٤٦]، عن يحيى بن معين أنه قال: قلت لعبد الوهاب: سمعت من سعيد في الاختلاط؟ قال: سمعت منه في الاختلاط وغير الاختلاط، فليس أميز بين هذا وهذا = فقد قام أهل الحديث بتبيين معنى هذا الكلام وتوجيهه، والحاصل من كلامهم، أن رواية عبد الوهاب عن سعيد مقبولة ولا ترد، بل يحتج بها، [انظر تفصيل ذلك في: إضاءات بحثية في علوم السنة النبوية وبعض المسائل الشرعية: ٢١٦ - ٢٢١]. ثانيًا: تفرد سعيد بن أبي عروية، عن قتادة بهذا الحديث -، على ما يحمله من حكم يحتاج إليه - من دون أصحاب قتادة [كهشام وهمام، وغيرهما] = أمر يجعل الباحث غير مطمئن لمثل هذا السند. قال أبو بكر البرديجي [ت ٣٠١ هـ]: «أحاديث شعبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ كلها صحاح، وكذلك سعيد بن أبي عروية، وهشام الدستوائي، إذا اتفق هؤلاء الثلاثة على الحديث فهو صحيح، وإذا اختلفوا في حديث واحد: فإن القول فيه قول رجلين من الثلاثة، فإذا اختلف الثلاثة: توقف عن الحديث، وإن انفرد واحد من الثلاثة في حديث: نظر فيه، فإن كان لا يُعرف متن الحديث إلا من طريق الذي رواه: كان منكرًا اهـ. [شرح علل الترمذي لابن رجب: ٢/ ٦٩٧]. قلت (القائل أحمد): فتأمل قوله: «وإن انفرد واحد من الثلاثة … » إلخ، مع ما قاله الطبراني عقب الحديث: لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا سعيد، ولا عن سعيد إلا معاذ تفرد به عبيد الله بن معاذ = يتبين لك وجه عدم الاطمئنان الذي ذكرته آنفًا، والله أعلم. هذا: وقد رجح شيخنا - حفظه الله - المرسل هنا، ومما ذكره لي - زيادة على ما تقدم -: أن مما يقوي تصحيح المرسل: تنكب أصحاب الكتب القريبة عن إخراج هذا الحديث بهذا السند، مع أنه - أي السند - على شرط كثير منها فنزول السند أيضًا غير مطمئن، والله أعلم.