واستدل هؤلاء: بالأحاديث الصحيحة التي جاءت في الباب، وبأن هذا هو مقتضى الجمع بينها.
فقالوا: الأمر بالجلوس في البداية كان للندب، وتقريره القيام بعد ذلك قرينة عليه، أو كان أمره في البداية على الوجوب، لكن نسخ هذا الوجوب بتقرير القيام بعد ذلك، وإذا نسخ الوجوب بقي الجواز، فيكون هذا جمعًا بين الروايتين، خارجًا عن المذهبين جميعًا (٣)؛ لأنه يقتضي التخيير للمؤتم بين القيام والقعود (٤).
ودفع هؤلاء قول القائلين بالنسخ بعدة أدلة، منها:
١ - أن هناك قاعدة مطردة، وهي:
إذا وجدنا حديثًا صحيحًا صريحًا في حكم من الأحكام فإنه لا يرد باستنباط من نص آخر لم يسق لذلك المعنى بالكلية، فلا ترد - مثلًا - أحاديث تحريم صيد المدينة، بما يستنبط من حديث النغير (٥).
٢ - مما يدل على أن الأمر بالقعود خلف الإمام القاعد غير منسوخ:
أن النبي ﷺ علله بعلل لم تنسخ، ولم تبطل منذ شرعت، ومن هذه
(١) سبل السلام [٢/ ٣٥]. (٢) نيل الأوطار [٢/ ٤٦٧]. (٣) أي القائلين بوجوب القعود، والقائلين بوجوب القيام. (٤) فتح الباري [٢/ ٢٠٨]، سبل السلام [٢/ ٣٥]. (٥) يشير إلى حديث أنس عند البخاري (٦٢٠٣)، ومسلم (٢١٥٠)، وفيه: قول أنس: كان لي أخ يقال له: أبو عمير، قال: أحسبه فطيمًا، وكان إذا جاء رسول الله ﷺ قال: «يا أبا عمير، ما فعل النغير» نغر كان يلعب به … الحديث. والنغير: تصغير نغر، وهو طائر صغير، جمعه: نغران.