فدل هذان الأثران على أن هناك سكتة للإمام بعد الفاتحة.
وأما استدلالهم بالنظر؛ فقالوا:
إن هذه السكتة الثانية مطلوبة حتى يتمكن المأموم من قراءة الفاتحة خلف الإمام ولا ينازعه فيها (١).
قالوا: ويستحب للإمام في هذه السكتة: أن يشتغل بالذكر، أو الدعاء، كما في حديث أبي هريرة في الاستفتاح، أو القراءة، وهي أولى؛ لأن الصلاة ليس فيها سكوت حقيقي للإمام (٢).
وأجيب على ما ذكروه: بأن السنة لم يأت فيها شيء من ذلك، إذ لو كان النبي ﷺ يسكت سكتة تتسع لقراءة الفاتحة: لكان هذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، فلما لم ينقل هذا أحد: علم أنه لم يكن.
وأيضًا: لو كان الصحابة كلهم يقرأون خلفه، إما في السكتة الأولى وإما في الثانية، لكان هذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، فكيف
(١) المغني [٢/ ١٦٣]، فتح الباري [٢/ ٢٦٨]. - ثم قال ابن قدامة: وهذا مذهب الأوزاعي والشافعي وإسحاق اهـ. - قلت: وقول الأوزاعي نقله البيهقي عنه بإسناده في [القراءة خلف الإمام للبيهقي: ٢١٥] من طريق العباس بن وليد بن مزيد [صدوق عابد]، أخبرني أبي [ثقة ثبت] قال: كان الأوزاعي يقول: «يحق على الإمام أن يسكت سكتة بعد التكبيرة الأولى: استفتاح الصلاة، وسكتة بعد قراءة الفاتحة: ليقرأ من خلفه بفاتحة الكتاب». اهـ. - وهذا إسناد حسن. (٢) المجموع [٣/ ٣٦٤]، [تحفة المحتاج: ٢/ ٥٧]، الموسوعة الكويتية [٢٥/ ١٣٤] وفي هذا رد على الحنفية حيث يقولون: إن السكوت بلا قراءة حرام، ولذلك حرموا السكوت على الإمام في أي موطن غير الأول، فأجابوهم: بأن السكوت هنا كالسكوت الأول، لفظًا لا حقيقة.