قلت: هذه المسألة عويصة جدًّا، والخلاف فيها بين ابن القاسم وأشهب على قاعدتين، لم أر أحدا يحركها (١):
إحداهما: أنَّ العرف كما ينقل اللفظ المفرد - نحو: الدابة والبحر - ينقل المركّب، كقولنا: الخمر حرام، نُقل لتحريم شُربها، والأم حرام، نُقل للاستمتاع بها، والميتة حرامٌ، نُقل هذا المركب لتحريم أكلها، واللفظ لعين إنما يقتضي تحريم هذه الذوات.
كذلك نقل العرفُ لفظ الأكل مع الرؤوس إلى رؤوس الأنعام، فلم يفهم من قول القائل: أكلتُ رأسًا، أو: لا آكل رأسًا إلا ذلك، فخالف: رأيتُ رأسًا، أو ضربتُ رأسًا، باق على شياعه اللغوي في الرؤوس، حتى يصدق برأس الآدمي وغيره، ولا يتصور فيه خلافُ أشهب، بل يستوي الرؤوس.
فمنشأ الخلاف هذه القاعدة، فابن القاسم لم يتضح له هذا النقل، فاستصحب اللغة، وأشهبُ جَزَمَ به فخصَّص، وهو الحق، فالكلام بينهما في تحقيق مناط في النقل العرفي.
وثانيهما: أنَّ جمعًا كثيرًا من المالكية وغيرهم يُخرجون ذلك على أنَّ عادة الناس جرت بأكل رؤوس الأنعام دون غيرها، وهذا باطل؛ فإنَّ العرف الفعلي لا يقضى به على الألفاظ، بخلاف العرف القولي؛ لأنَّ القولي هو غلبة استعمال اللفظ في غير مسماه، حتى يصير أشهر في ذلك الثاني، فيبطل الأول، ومبادرته للذهن يقضي به عليه، والفعلي: أن يُفعَل نوع من ذلك المسمى دون غيره، ومباشرة المسمى وتركه لا يعكس على الموضع، فلو حلفت الملوك لا تدخل