للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

سَقَوا دَمْعَهُمْ غَرْسَ الأسى في ثَرَى … الحَوَى فَأَنبتَ أَزهار الشحوب الفَواقِعا

خُذُوا القلب يا ركب الحِجازِ فَإِنَّهُ … ثَوَى الجِسْمُ فِي أَرْضِ البَطَالَةِ كَانِعًا

ولا تصرفُوهُ إِنْ قَفَلْتُمْ فَإِنَّهُ … أَمانَتَكُمْ أَنْ لا تَرُدُّوا الوَدَائِعا

مَعَ الجَمَرَاتِ ارْمُوا فؤادي فإنَّهُ … حَصَاةُ تَلَقَّتْ مِنْ يَدِ الشَّوْقِ صَادِعا

بُنِيتُ بناءَ الحَرْفِ خامَرَ طَبْعَهُ … فَصِرْتُ لتأثيرِ العَوَامِلِ مَانِعا

تنبه لأولى السم إنْ كنتَ راقيًا … وعاجل رُقوعَ الحَرْفِ إِنْ كُنْتَ رَافِعا

وما اشتبهت طُرْقُ النَّجاةِ وإِنَّما … ركبتُ إليها من يقيني ضالعا

ووالله ما لي في الدُّخُولِ وسِيْلَةٌ … تُرَجى ولكن أَعْرِفُ الباب واسعا

وحكي أنه نزل هو وآخر أظنُّهُ الهوريني في أفنان سدرة يذوب في الماء ظلها، ويصافحه بعض أغصانها لأكلها، وتحتها غدير سَحَتْ عليه ضفائرها وبَرَّتْ إليه سرائرها، وعلى قُنَّتِهِ حمائم ظل يطارحها بشجوه ويحدثها في هذا ونحوه، فطفقت تُمنِّيهِ الطيف، وما عنده مبقلة تكرى وتسليه ولا يجد السلو مغرى، إلا أنه أنس بتغريدها، ويئس من نفار شريدها، وأقبل عليها وهي تحاكيه إلا أنها غير عبرى وشاكية، وفيض الدمع مرتبة أخرى، فقال (١):

ولقد حكي أنه كان في زمن شبابه وزيادة ما قَدَحَ ولا وَرَى، وماؤه في غصنه ما سح ولا جرى، ونجمه بعدما عرف وطرف حاسده به ما طرف، وفجره سر مكتوم في خاطر ليله ما ذاع، وعرفه مسك في عاتق شجرة محفوظ ما ضاع، والهيثم شيخ الأدباء إذ ذاك بالأندلس واقف ينشد قصيدة قالها في المتوكل ابن هود وقد بايع الدولة العباسية، وانتمى إليها وجاءت إليه تشاريفها والأعلام السود لديها، ولم تركز قبلها لهم راية بالأندلس، ولا خطمت لهم أنوف تلك المصاعيب الشمس فجعل المتوكل أعلامه سودًا حملًا الشعارها، وجهلًا بالدنيا في ارتجاع معارها؛ فلما أتى الهيثم على آخر القصيدة، وأتم مجموع تلك الفريدة، ولم يذكر أعلامه السود، ولا شبهها بالخيلان على الخدود، قال له ابن سهل زد بين البيت الفلاني والبيت الفلاني (٢): [من البسيط]

أعلامُهُ السُّودُ إعلامٌ بِسُؤددهِ … كأَنَّهنَّ لخَدِّ المُلكِ خيلان

فبُهِتَ الهيثم لهذا البيت، وقال له: هذا شيء ترويه أم شيء نظمته، فقال: بل شيء نظمته، فقال الهيثم: إن عاش هذا سيكون أشعر أهل الأندلس أو قال كلامًا هذا معناه. فكان أمر ابن سهل كما ذكر، وفوق قدر ما شكر.


(١) بعده بياض بمقدار صفحة كاملة وهي رقم/ ٣٧٦/.
(٢) انظر: الوافي بالوفيات ٦/ ٦. وديوانه، الملحق ٣٥٢ عن المسالك.

<<  <  ج: ص:  >  >>