كهاجر أحبابَهُ زائرٍ … أَطلالهم من بعد أَنْ يَرْحَلُوا
وصنع ابن حبيب: [من السريع]
يا تاركًا إنْ لم أَغِبْ زَوْرَتي … وزائرًا دَأْبًا إذا غِبتُ
وَدِدْتُ أَنْ وُدَّكَ لا ينثني … يزور فقداني لو متُ
وحاكمني إلى بعض علمائنا، فقضى له علي، وأنا أرى أني قد ظلمت؛ فلما رجعت إلى النظر، وجدت صاحبنا أوجز كلامًا، وأحسن إصابة للغرض، إذ كان قصده التغزل للعتاب.
وكان كثيرًا ما يجالسنا غلام مليح ذو خال تحت لَحْيِهِ، فنظر إلي محمد بن حبيب يومًا وأشار إلى الخال، ثم أطرق ساعة ففهمت عنه أنه يصنع، فصنعت بيتين وأمسكت عنهما خوف الوقوع دونه؛ فلما رفع رأسه قال: اسمع وأنشد: [من الطويل]
يقولون: لِمْ مِنْ تحتِ صفحةِ خَدِّهِ … تَنزَّلَ خالٌ كان منزله الخَدُّ
فقلتُ: رأى بَهْوَ الجَمَالِ فهابَهُ … فَحَطَّ خُضوعًا مثل ما خضع العَبْدُ
فقلت: أحسنت أحسن الله إليك، ولكن اسمع.
قال: أَوْ صنعت شيئًا؟
قلت: نعم، وأنشدته: [من الخفيف]
حبَّذا الخال كائنًا منه بين الـ … خَدّ والجِيدِ رِقْبَةً وحِذارا
رام تقبيله اختلاسًا ولكن … خاف من لحظ طَرْفِهِ فَتَوار
قال: فضحتني قطع الله لسانك!».
ومنهم:
[٣٨٨] علي بن حبيب التنوخي (١)
وموطنه أسفاقس من ساحل البحر، وبها نشأ، وليس من الأول في شيء، وإن اجتمعا في اسم الأب والنَّسَب، وقربا في اشتباه السَّبَب والحَسَب. فضلت به تنوخ، وأوقدت به نار فخر لا تبوخ، فرسخ قدمًا، ورسا جبلًا يطأ عرانين وقممًا.
قال ابن رشق (٢): «شاعر عذب اللفظ، لطيف المعنى، ظاهر الرقة.
(١) ترجمته في: رحلة التجاني ٦٨ - ٧٦ - ٧٧، الحلل السندسية ١/ ٣٢٦ - ٣٣٣ - ٣٣٤، وفيات الأعيان ٦/ ٢١٥، رحلة ابن بطوطة ١٨، المطرب ٧٤، انموذج الزمان ٢٢٥ - ٢٢٧.
(٢) انموذج الزمان ٢٢٥.